السلمي

44

المقدمة في التصوف

والخدمة والمكروهات ، وطولب بالمجاهدات ، فر وذهب وخسر وافتضح ، وصار بترك هذه الأوصاف خارجا عن دعواه ، وهو متصنع ، يلبس المرقعات والتصنعات بلا خشية ، ولا مراقبة ، ولا ورع ، ولا مجاهدة ، ولا ذكر ، ولا معاملة ، فإنه إنما يخسر ويسخر من نفسه . . فالتصوف يلعنه والدعاوي تحجبه ، والشيطان يقربه ، والملائكة تبعده ، واللّه عز وجل يمقته ، وأهل تصوف الحقيقة خصماؤه . فمن لم يكن للعلم مستعملا ، وفي الإرادة مبادرا ، وفي الوجد سابقا ، وفي المعرفة محققا ، وادعى التصوف ، كان مرتهنا بدعواه ، متبعا لهواه ، محجوبا عن معناه . فاتق اللّه يا أخي . واحفظ الظاهر ، وتعلق بالأصل . . وإن كل باطن من العلم لا يشهد له ظاهر منه ، فهو ضلالة . وإذا لم يكن للمتصوف سمة يعرف بها ، وهدى يقتدي به ، وصلاح في طريقه ، واقتصاد في سره ، وصدق في جميع أحواله . . فإنه لا يصلح له التصوف ، إذا لم يكن فيه هذه الأوصاف . ومن كان عنده التصوف ، التمتع بالأكل والشرب ، وموافقة العامة في الحركات ، ومرافقة النفوس في المحرمات وسماع المكروهات ، فإنه عن التصوف بعيد ، وكانت دعواه حجابا لمعناه . فمن لا يشهد بتصوفه ، آثار المتقدمين من مشايخ التصوف ، كان من المدعين . . جعلنا اللّه وإياكم من المهتدين بآثار السابقين من العلماء والعارفين ، ومن المتصوفة الواجدين . . إنه خير المعتمدين المنعمين . * * * وقد تمت هذه المقدمة المباركة بحمد اللّه وعونه وحسن توفيقه ، والحمد للّه وحده ، ولا حول ولا قوة إلّا باللّه العلي العظيم ، وصلى اللّه على سيّدنا محمّد ، وعلى آله الطاهرين ، وصحابته أجمعين . . ووافق الفراغ من نسخها ، عصر يوم الخميس المبارك ، سادس شهر رمضان المعظم قدره ، سنة اثنتين وثمانين وألف من الهجرة النبوية ، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام . وحسبنا اللّه ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم .