السلمي

41

المقدمة في التصوف

ظلمتم فلا تظلموا ، وإن مدحتم فلا تفرحوا ، وإن ذممتم فلا تجزعوا ، وإن كذبتم فلا تغضبوا ، وإن خانوكم فلا تخونوا . قال الحسن الحداد ، قلت لمحمد بن عبد الله في وقت مفارقتي إياه : أوصني ! فقال : ارض من الدنيا برغيفين ، ومن صحبة الناس بفقيرين ، ولا يفوتك هذين ! وقال يونس بن عبد الله : سمعت ثلاث كلمات من ثلاثة رجال ، لا أبالي بأن أسمع بعدهم إلا القرآن ! سمعت من بورق العجلي يقول : ما تكلمت بشيء قط في غضب ، ندمت عليه في رضا ، وسمعت من محمد بن سيرين : ما حسدت أحدا على شيء قط ، لأنه لا حسد إلا في دين أو في دنيا ، فأما رجل أعطاه اللّه خيرا ، فما بالي أحسده عليه ، وأما الدنيا ، فلا ينبغي أن أحسد أحدا على دنيا ! وسمعت حسان بن أبي شيبان يقول : ليس شيئا أهون علي من الورع ! قيل : وكيف ذلك ؟ قال : إذا رابك شيء ، فدعه . . جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم فقال له : أوصني ! قال : أوصيك بخمس كلمات : إذا اشتغل الناس بالدنيا ، فاشتغل أنت بالآخرة ، وإذا اشتغل الناس بتزيين الظاهر ، فاشتغل أنت بتزيين الباطن ، وإذا اشتغل الناس بعمارة القصور ، فاشتغل أنت بعمارة القبور ، وإذا اشتغل الناس بعيوب الناس ، فاشتغل أنت بعيوب نفسك ، وإذا اشتغل الناس بخدمة المخلوقين ، فاشتغل أنت بخدمة الخالق ! وقال الجراح بن عبد الله : ما للطريق إلى اللّه أفضل من طلب العلم ، فإني عدلت مرة عن الطريق . يعني طريق العلم . فتهت أربعين صباحا في الظلمات ! . وكان يحكي جعفر المرتعش : سمعت أبا الحسن يوصي بعض أصحابه ويقول : من رأيته يدعي مع اللّه حالة تخرجه عن الشريعة ، فلا تقربنه ، ومن رأيته يحب الرياسة والتعظيم ، فلا تقربنه ، ومن رأيته يسكن إلى أبناء جنسه ، فلا تقربنه ! ومن رأيته يشكو حاله إلى أبناء الدنيا ، فلا ترافقه ، ومن رأيته مستغنيا بعلمه ، فلا تأمن جهله ! ومن رأيته مدعيا حالة باطنة ليس له عليها دليل ظاهر ، فاتهمه في ذلك ، ومن رأيته راضيا عن نفسه ، ساكنا إلى عمله ، فافهم أنه محروم في الدارين ، ومن رأيته من المريدين يميل إلى القصائد والرفاهية ، فلا توافقه على عمله ، ومن تراه عند السماع من الفقراء غير حاضر ، فاعلم أنه منع بركات ذلك بتشويش سره وتدبير همه ! ومن رأيته مطمئنا إلى أصحابه وأصدقائه ، مذعنا إليهم ، معتمدا عليهم ، فاعلم أنه مخطىء . .