السلمي
23
المقدمة في التصوف
قال سفيان الثوري : لو أن السماء لم تقطر ، والأرض لم تنبت ، ثم اهتممت بشيء من رزقي لظننت أني كافر ! قال عامر بن عبد القيس : واللّه ما اهتممت برزقي منذ قرأت : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [ هود : 6 ] . نكتة : كن آمنا باللّه ، ولا تكن آمنا عن اللّه ، واطرح تدبيرك إلى من خلقك تسترح . وقيل : وما الراحة ؟ فقال : ترك مطالبة ما لا يجري في القسمة . . والمتوكل لا يسأل ، ولا يرد ، ولا يحبس . وقال بعضهم : التوكل لا يصح للمتوكل حتى تكون السماء عنده كالصخر ، والأرض كالحديد ، لا ينزل من السماء قطرة ، ولا ينبت من الأرض نبات ، ويعلم مع ذلك ، أن اللّه عز وجل لا يخلفه ما ضمن له من الرزق . . من يكل أمره إلى اللّه ، فإنه يكفيه هم الدارين ، قال اللّه عز وجل : وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا [ إبراهيم : 12 ] قال حاتم الأصم ، معناه : وما لنا لا نتقي اللّه ، وقد أعطانا الإسلام والهدى . . وقال إبراهيم الخواص : إن المتوكل على اللّه ، لو جاء الأسد من خلفه ، فالتفت ، خرج من التوكل ! حكي عن عثمان بن تزدار قال : سمعت أبا سعيد الخراز يقول : قطعت البادية مرارا على التجريد ، فكنت أساكن الواردين من خلفي ، ثم خرجت خرجة ، اعتقدت فيها اعتقادا ، وعاهدت اللّه عهدا ، وسألته التوفيق أن لا أساكن مستقبلا ولا مستدبرا ، ولا التفت يمينا ولا شمالا ، فخرجت بهذه النية ، فلما صرت في بعض سواد العراق ، كنت أسير يوما بين الصلاتين في موضع « سبع » ، فسمعت خلفي حسا ، فطالبتني نفسي بالالتفات ، فذكرت العهد بيني وبين اللّه ، فبقيت على حالي ، وسكنت نفسي على الفزع ، حتى قرب المشي ، وأحسست بمشي الأسد وزئيره . ومشيت على حالي ، فإذا خده على كتفي الأيمن ، وخد آخر على كتفي الأيسر ! فثبت اللّه جناني ، فلحس حذائي ثم رجع في طريقه . ومشيت أنا على حالتي ، ورجوت أنه قد صح التوفيق فيما اعتمدته ! انتهى .