السلمي
20
المقدمة في التصوف
باب صفة المتوكل أمر اللّه سبحانه وتعالى بالتوكل ، وجعله مقرونا بالإيمان ، لقوله تعالى : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ المائدة : 23 ] . فجعل التوكل عليه ، حقيقة الإيمان . والتوكل جند اللّه في الأرض ، يقوي به قلوب المريدين والجوع طعام اللّه في الأرض ، يشبع به أبدان الصديقين ، والحرص راية اللّه في الأرض ، يضعها على رقاب الراغبين ! وقال سهل بن عبد الله : أول مقام التوكل ، أن يكون العبد بين يدي اللّه عز وجل ، كالميت بين يدي الغاسل ، يقلبه كيف يشاء . . وترك الأسباب إنما هو وبال . سئل ذو النون المصري عن التوكل فقال : خلع الأرباب ، وترك الأسباب . . وقال رويم : التوكل إسقاط رؤية الوسائط . والتعلق بأعلى الوثائق . . وقال الجنيد : التوكل اعتماد جواهر القلوب على اللّه بإزالة الأطماع عما سواه . ويقال ذاتية التوكل : انتظار السبب من المسبب ، من غير رؤية السبب ، بلا اهتمام ولا كرب ولا حزن ولا طرب . . وقال إبراهيم بن أدهم : التوكل أن يستوي عندك أفخاذ السباع والمتكىء على الحشايا . وقال الدقاق : التوكل رد العيش إلى يوم واحد ، وإسقاط هم غد . . وقال رويم : التوكل الثقة بالوعد . . وقال أبو عثمان : التوكل الصبر على الدنيا ، وقطع القلب عنها . . وقال الخواص : سنة المتوكلين ، التوكل ، وهو اعتماد القلب على أن اللّه تعالى هو الخلاق الرزاق ، وهو المعطي للأشياء ، المانع ، الضار ، النافع ، القابض ، الباسط ، لا معجل لما أخر ولا مؤخر لما عجل ، وأن العبد بحركته لا يزداد في رزقه ، ولا بعدم سعيه وقعوده وترك طلبه ينقص من رزقه ، لأن اللّه تعالى قد قسم الأرزاق وفرغ منها ، وتولى القيام بالقسمة دون غيره ، فبعض الرزق يجيء بطلب وبعضه يجيء بغير طلب . فمن من أهل المعرفة ، يستحي من اللّه جل جلاله أن يتوكل عليه ليكفيه أمر رزقه ، خاصة لأن الكفاية من اللّه قائمة للخلق ، فهو يستحي منه أن يبدي شيئا تولى اللّه كفايته ، إنما يتوكل على اللّه في أمر الآخرة الذي لم يضمن