السلمي

458

تسعة كتب في اصول التصوف والزهد

واعلم أنّ اللّه تعالى وصف نفسه بالتكبر والتجبر وتلك من صفاته المحمودة ، لأنّ الكبر والجبّاريّة تليق بغنى لا يلحقه فقر بجهة من الجهات . وهو الذي يقدر أن يغني من يشاء من عباده . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حاكيا عن ربه تبارك وتعالى : « الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما قصمته » « 1 » . وألزم عبيده الفقر فقال عزّ من قائل : أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ « 2 » . وفقرهم فقر لا يلحقه الغنى ، والتكبّر والتجبّر فيه من الأوصاف المذمومة . لأنّ لباس الفقر يوجب الذّلّ والخمول . وصفة الغني الحقيقي التكبر والتجبّر . فمن تكبّر أو تجبّر في فقره فقد خالف أوصاف العبوديّة والفقر . وقيل للجنيد : « من الفقير الظريف ؟ » فقال : « الذي يأخذ الإرفاق على الأدب لا على الرغبة » أو قال سهل بن عبد اللّه : « خلق اللّه تعالى الخلق فحكم لهم بالفقر وحكم لنفسه بالغنى وجعل لباس الفقر الخضوع والانكسار ، ولباس الغني العظمة والتكبّر ، فمن تكبّر في فقره فقد خرج من آداب العبوديّة ، ودخل في منازعة الرّبوبيّة » . [ خلاصة أوصاف الفقراء ] وكنت ذكرت في مسئلة سلوك العارفين آداب الفقر ومواجبه . فوجب إعادته ليتمّ به المراد فيه . فمن مواجبه وآدابه أن يخاف الفقير على فقره أكثر ممّا يخاف الغنيّ على غناه ، وأن يغار على فقره فلا يظهره « 3 » ،

--> ( 1 ) رواه مسلم وابن حبان وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة . . . بلفظ . . . ألقيته في النار . ورواه الحاكم : . . . فمن نازعني ردائي قصمته وقال : صحيح على شرط مسلم . كشف الخفا ومزيل الإلباس ، ج 2 ، ص 106 القاهرة 1352 . ( 2 ) سورة فاطر : 15 . ( 3 ) في نسخ سلوك العارفين : وأن يغار عليه ولا يظهره .