السلمي
432
تسعة كتب في اصول التصوف والزهد
أنّه يقدر على شيء أو له حال أو مقام أو درجة فهو خال من أوصاف العبوديّة التي أحد أوصافها الفقر ؛ والفقر لباس يورث الرضاء إذا تحقق العبد فيه . وللفقر ثوب سداه القناعة ولحمته التواضع . والفقير إذا ترك ظاهر الكسب فقد ألحف في السؤال ، وإذا لبس المرقّعة فقد ألحف ، وإذا تكبّر بفقره على الأغنياء فقد أظهر محل الدنيا وأبنائها في قلبه ؛ لأنه لو لم يكن للدنيا في قلبه قدر لما كان يتكبّر على الخلق بتركها . وقد قيل : من يكون للدنيا عنده قدر لا يكون له عند اللّه قدر . والفقير من يجهله من ليس في درجته ومقامه . قال اللّه تعالى في صفة الفقراء : يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ « 1 » وذلك لصيانتهم لفقرهم وسكونهم إلى عدم المألوفات وتركهم إظهار فقرهم وشكايته بحال . ثم قال اللّه تعالى : تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ وإنما يعرفهم من هو في درجتهم من الفقراء دون غيرهم . وذلك السيّما خشوع بواطنهم ، وخضوع ظواهرهم ، واستكانتهم في أحوالهم ، وتذلّلهم في أنفسهم ، ونصيحتهم الإخوان ، واحترامهم للمشايخ ، ورحمتهم من ابتلاه اللّه تعالى بما نزّههم عنه . ثم قال اللّه جلّ ذكره : لا يَسْئَلُونَ [ النَّاسَ ] إِلْحافاً كلّت ألسنتهم عن سؤال من يملك الكلّ لرضاهم بما هم فيه وسكونهم إليه ؛ فكيف يسألون من لا يملك ؟ وذلك لعلمهم أنّ الفقر سرّ من أسرار اللّه تعالى لا يودع إلّا الأمناء من العباد من يخفيه ويأنس به ولا يتكبّر بإظهاره على الخلق . فإنّ الفقير من لا يعرفه بفقره إلّا الذي يقدر على أن يغنيه بوصله من فقره إلى مراده . فمن أظهر فقره إلى
--> ( 1 ) سورة البقرة : 273 .