السلمي

417

تسعة كتب في اصول التصوف والزهد

والقمر سراجهم ، والمعرفة أنيسهم ، والرب جليسهم ، والخلق لا يلحقون مقامات هذه الطائفة . يعاملون اللّه بالمحبة ، والخلق كلهم يعاملون اللّه بالعمل . هذه الطائفة ينظرون من الرب إلى الرب ، والناس ينظرون من العمل إلى الربّ . هذه الطائفة لا يبالون بغير اللّه ولا يحبون سواه . ألا ترى [ السكر ] إذا بلغ درجة حال السكر لا يبالي صاحبه بعار ولا منار ولا ثنار [ نثار ؟ ] ولا بشيء مما في الدار . فقلبه طيار وبدنه سيّار ، وروحه عيّار . كما قال الشبلي : إن المحبة للرحمن أسكرني * وهل رأيت محبّا غير سكران لأن المحبة إذا غلبت على صاحبها يرى الأشياء كلها بصفة صورة محبوبه كما قال الجنيد : لا تصح المحبة بين اثنين حتى يقول الآخر « يا أنا ! » ألم تسمع قول أبي يزيد قدّس اللّه روحه العزيز : أيها السائل عن قضيتنا * لو ترانا لم تفرق بيننا أنا من أهوى ومن أهوى أنا * نحن روحان حللنا بدنا نحن مذ كنا على عهد الوفا * يضرب الأمثال للناس بنا فإذا أبصرتنا أبصرته * وإذا أبصرته أبصرتنا فنفوس هذه الطائفة في الدنيا ، وقلوبهم في العقبى ، وروحهم عند المولى . وهذه الطائفة لا يخافون الحساب ولكن يخافون العتاب . ليحيى بن معاذ : إذا ذهب العتاب فليس ودّ * ويبقى الودّ ما بقي العتاب هذه الطائفة جازوا على قناطر الفتن حتى وقفوا على بساط المنن ، وخوطبوا بلسان الكرم ، وتوّجوا بتاج البهاء ، وأقعدوا على بساط الصفا [ ء ] ، فنسوا الدنيا وما فيها . نفوس هذه الطائفة عليلة ، وحزنهم