السلمي
389
تسعة كتب في اصول التصوف والزهد
تزول عنه مواقف الخوف ولا تزول عنه حال الهيبة . وهم في هذه الأحوال على مراتب : منهم من يردّ من حال الخوف إلى حال الخشية ، ومنهم من هو ألطف حالا فيردّ إلى حال الرهبة ، ومنهم من كان ألطف حالا فيردّ إلى الهيبة . وذلك لأنّ محل الحوادث لا يخلو من العلل ، لكن يردّ بما يغلب على العبد شيء من مبادئ فضل الحقّ فيضمحلّ فيه صفاته . وهو كما ذكر اللّه سبحانه وتعالى : إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ . وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ « 1 » . [ صفات أولياء اللّه الكاملين ] وحال من هذه صفته أن تندرج صفته من هذه الصفات ، فيكون العبد خاليا من صفاته وطبايعه ؛ يتكلم عن صرف حقّ ، ويخبر عن صفاء حقيقة . لكنّها بروق تلمع ولا يدوم ، ولو دام له ذلك لهيّمته وأفنته ، فكم من هائم فيها وفان . ثم إذا بلغ اللّه بعبد من عبيده هذه المراتب آواه إلى قربه ، وآنسه بذكره وأوحشه من الأغيار . فربّما كشفه للخلق لمحلّ القدرة ورجوع المريدين في مقاصدهم إليه ، فأباح ظاهره للخلق رحمة منه بهم . إذ لو فقدوا علمه وخلقه وأدبه لضلّوا في سلوكهم وقصدهم ، ودخلوا في محلّ الغرور . لكنّهم بأنوار هؤلاء الأئمة يستضيئون ، وبإرشادهم يسترشدون في سعيهم ومقصدهم . وهم أئمّة أهل الحقائق ، وأرباب القلوب والمنازلات . إليه مرجعهم ، وبه قدوتهم ، وإليه مفزعهم كمفزع العوام في الأحكام إلى علماء الشّرع . وإذا أظهر وليّا من أوليائه للخلق ، أسقط عنه محلّ الفتنة فلا يكون فاتنا ولا مفتونا . ومنهم من أخفاه عن أعين
--> ( 1 ) سورة ص : 46 ، 47 .