السلمي

36

تسعة كتب في اصول التصوف والزهد

وقد وقع نزاع في سنة الثلاثين بين معاوية وأبي ذر بالشام ، وذلك أن أبا ذر أنكر على معاوية بعض الأمور ، وكان ينكر على من يقتني مالا من الأغنياء ويمنع أن يدخر فوق القوت ، ويوجب أن يتصدق بالفضل ، ويتأول قول اللّه سبحانه وتعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ « 1 » . فينهاه معاوية عن إشاعة ذلك فلا يمتنع ، فبعث يشكوه إلى عثمان ، فكتب عثمان إلى أبي ذر أن يقدم عليه المدينة فقدمها ، فلامه عثمان على بعض ما صدر منه واسترجعه فلم يرجع فأمره بالمقام بالربذة - وهي شرقي المدينة - ويقال إنه سأل عثمان أن يقيم بها وقال : « إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لي : ( إذا بلغ البناء سلعا فأخرج منها ) ، وقد بلغ البناء سلعا . فأذن له عثمان بالمقام بالربذة وأمره أن يتعاهد المدينة في بعض الأحيان حتى لا يرتدّ أعرابيّا بعد هجرته ، ففعل فلم يزل مقيما بها حتى مات » « 2 » . روى البخاري في الزكاة من حديث زيد بن وهب ، قال : « مررت بالربذة « 3 » فإذا أنا بأبي ذر رضي اللّه عنه فقلت له : ما أنزلك منزلك هذا ؟ قال : كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ . قال معاوية : نزلت في أهل الكتاب ، فقلت : نزلت فينا وفيهم . فكان بيني وبينه في ذاك « 4 » وكتب إلى عثمان رضي اللّه عنه يشكوني فكتب إليّ عثمان أن اقدم المدينة فقدمتها ، فكثر عليّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك . فذكرت ذاك

--> ( 1 ) سورة التوبة : 34 . ( 2 ) البداية والنهاية لابن كثير : 7 / 155 - 156 . ( 3 ) موضع على ثلاثة مراحل من المدينة . ( 4 ) أي نزاع في ذلك .