السلمي
319
تسعة كتب في اصول التصوف والزهد
رزقه ، ولا بعدم سعيه وقعوده وترك طلبه ينقص من رزقه . لأنّ اللّه تعالى قد قسّم الأرزاق وفرغ منها وتولّى القيام بالقسمة دون غيره . فبعض الرزق يجيء بطلب ، وبعضه يجيء بغير طلب ، فمن يكون من أهل المعرفة يستحيي من اللّه جلّ جلاله أن يتوكل عليه ليكفيه أمر رزقه ، خاصّة . لأن الكفاية من اللّه قائمة للخلق فهو يستحيي منه أن يبدي شيئا تولى اللّه كفايته . وإنما يتوكل على اللّه في أمر الآخرة الذي لم يضمن له كفايته ، مثل الموت وروعته ، والسكون إلى اللّه عند نزوله ، ووحشة القبر وانفراده فيه ، ولقاء منكر ونكير ، والبعث ، والنشور ، وطول القيام ، والوقوف في القيامة ، وشدة الحر في يوم طويل . فاعمل في هذا التوكل إذا أحكمت التوكل على اللّه ، فهذا توكّل قد غفل عنه كثير من المتوكلين . « وقال : من ترك التدبير عاش في راحة التوكل وهو أن يكون العبد كالطفل الصغير في حجر أمه تقلّبه كيف شاءت بأحسن تدبير » . وقال إبراهيم الخواصّ في كتاب المتوكّلين : « هو أن لا يركن القلب إلى مال ولا لتجارة ولا لسبب ولا لمخلوق ، بل يركن القلب إلى اللّه حتى يجد للمنع حلاوة ما يجد عند العطاء . وهو سكون القلب إلى ما في الغيب مما قد قسّم له « 1 » وغيبه وأخفاه إلى تو « 2 » فيكون سكونه إلى ما في الغيب كسكونه إلى ما في اليد لأنّ ما في اليد تحدث عليه الحوادث وما عند اللّه باق يأتي به في أوقاته . فإذا عرف ذلك العبد معرفة غير منقطعة كان قويّا عند زوال الدنيا وإقبالها وعند المنع والعطاء » .
--> ( 1 ) في الأصل : إليه . ( 2 ) أي إلى موعد محدد ووقت معلوم .