السلمي

158

تسعة كتب في اصول التصوف والزهد

وفقير عدم عروض الدنيا فظن أن له بذلك فضلا على من ملكها وفضلا عليهم بتخليه منها ولا يزال بالأغنياء ويمدح نفسه بفقره ، فليس له بذلك فضل ولا درجة إلّا بصبره فيه أو برضائه فيرجع الفضل في هذا الفقر إلى درجة الرضا والصبر ، لأن هذا ليس بفقر في الحقيقة ، إنما هو عدم وحاجة ، وأي فقير تطاول على غني بفقره فقد أظهر خسّته ونبه على مكان ما في يد الغني من قلبه . فإنه لو تحقق في مقام فقره لرحمه فيما هو فيه وحمد اللّه تعالى على ما هو عليه . روي عن رابعة رحمها اللّه أن قوما ذموا الدنيا بين يديها فقالت : « من أحب شيئا أكثر ذكره » . وأي غنيّ لم يحترم الفقراء ولم ير فضلهم ، فقد أظهر نذالته . لأنه ظن أن له بما ( في ) يده من العواري فضلا . ورب مالك الأموال هو فقير فيها لرؤيته الملك للمالك وفقره إلى مالك الأملاك أبدا . ورب محتاج معدوم عار « 1 » لا يصح له اسم الفقر وإنما يلحقه اسم العدم والحاجة . ومن صح له مقام الفقر إلى اللّه تعالى والاستغناء به لا يضره توسعة الدنيا عليه وضيقتها ، وتواتر الإرفاق وقطعها ، لأنه حصل في مقام عدم الشيء ووجوده فيه واحد . والإرفاق تجري في ذلك المقام إلّا لهم ، وإنما تبدو الإرفاق لمن حببهم من المريدين فيكونوا هم أسبابا فيه . وهو كحال الوسائط في فقرهم لأن همتهم علت أن تسكن إلى شيء أو تلفت إليه إلّا لمن افتقروا إليه واستغنوا به . ثم إذا وضح لهم حال الفقر دخلوا في مقام الشفقة على الخلق

--> ( 1 ) في الأصل : عاري .