السلمي
146
تسعة كتب في اصول التصوف والزهد
وكذلك على هذا ، فإذا صفت له نفسه ولزم طريق رشده وتخلّق بهذه الأخلاق التي ذكرناها يدخل في حدود الإرادة . [ الإرادة وأنواع المريدين : ] ومقاماتها : أن يترك إرادته كلّها التي ألفتها النفس من أسباب الدنيا ، فيتخلّى بالدنيا بكلّيتها حتى لا يرجع منها إلى معلوم ولا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود ، فيكون الدنيا عنده كما لم تكن . فإنها ما كانت وعن قريب لا يكون . والمريدون ثلاثة : مريد يريد اللّه تعالى لنفسه ، فعلامته المعاملة على الرغبة والرهبة ، ومريد يريد اللّه تعالى فعلامته المعاملة لا على رؤية عوض ، بل فرحا بمحلّ الأمر ، ومريد مفوض لا يريد إلّا ما يراد له ولا يجعل لنفسه مقاما ولا حالا ولا محلا وهو أشرفهم . وهو إرادة الأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين ، وأجلّة الأولياء ألا ترى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كيف قال : « أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك » « 1 » . ترك ماله بالكلّية وسلّم إلى من له الأمر ، إذ هو المتولّي لهم في كلّ الأوقات . والمريد إذا كان في مقام فالنفس بإزائه فيما يشاكلها ، فإذا كان القلب مع اللّه تعالى كانت النفس في الأحوال . وإذا كان القلب في الأحوال كانت النفس في الآخرة . فإذا كان القلب مشتغلا بالتوكّل كانت النفس متعوبة في طلب الحلال والكسب المباح . وإذا كان القلب في محلّ الكرامات والزلف كانت النفس مشتغلة في طلب الأولياء والأخيار ، وإذا كان القلب مشتغلا
--> ( 1 ) الحديث متفق عليه . انظر : البخاري ، وضوء 75 ، دعوات : 5 ، 6 ، 8 ، توحيد : 34 ؛ مسلم ، ذكر : 56 ، 57 ؛ أبو داود : أدب : 98 ؛ الترمذي ، دعوات : 16 ، 116 ؛ الدارمي ، استئذان : 51 ؛ مسند ابن حنبل : 4 / 285 .