السلمي
12
تسعة كتب في اصول التصوف والزهد
طراز حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم : وقد تطورت النزعة الصوفية من روح القرآن وسنّة النبي صلى اللّه عليه وسلم . ويدلّ على ما قلناه طراز حياة النبي عليه السلام . « وكان صلى اللّه عليه وسلم ، حبّب إليه الخلاء ( أي الخلوة ) ، وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ، ويتزوّد لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها . . . » « 1 » . ويشرح ابن حجر التحنث والتعبد فيقول : « يتحنث بمعنى يتحنّف ، أي يتبع الحنيفية ، وهي دين إبراهيم ، والفاء تبدل ثاء في كثير من كلامهم . وقد وقع في رواية ابن هشام في السيرة ( يتحنّف ) بالفاء ، أو التحنّث إلقاء الحنث وهو الاثم ، كما قيل يتأثّم ويتحرّج ونحوهما . قوله « التعبد الليالي ذوات العدد » يتعلق بقوله يتحنث ، وإبهام العدد لاختلافه . . وهو بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيئه إلى أهله ، وإلّا فأصل الخلوة قد عرفت مدتها وهي شهر . وذلك الشهر كان رمضان . رواه ابن إسحاق » « 2 » . وقال صاحب بلوغ الأماني شرح فتح الرباني ( 20 / 207 ) : « أصل الحنث الاثم . فمعنى يتحنث : يتجنب الحنث ، فكأنه بعبادته يمنع نفسه من الحنث . ولا يشترط فيه الليالي بل يطلق على القليل والكثير » . هذه الرواية تدلّ على أن الحركة الزهدية كانت موجودة قبل الإسلام في البيئة التي نشأ بها النبي صلى اللّه عليه وسلم . وكان بعض الناس يتعبدون للّه خالين عن الناس أياما ، وكان هذا التعبد في الخلوة
--> ( 1 ) رواه البخاري في بدء الوحي ، عن عائشة رضي اللّه عنها . ( 2 ) فتح الباري بشرح صحيح البخاري : 1 / 24 .