عبد الملك الخركوشي النيسابوري

82

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وقال الجنيد : المقامات بالشواهد ، من قام بشاهد الأحوال فهو رقيق ، ومن قام بشاهد الصفات فهو أسير ، ومن قام بشاهد الحق فهو أمير . وقيل : للأولياء مقامات ، ولكل ولى له حكمه على قدر مقامه ، فأدب العارف فوق كلّ أدب ، لأنّ معروفه مؤدب قلبه ، فلا يطمع في الوصول إليه بشفيع غيره . وقال بعضهم يذكر بعض مقاماتهم : إذا علموه هربوا من الخالق من خشيته ، فإذا عرفوه رجعوا إلى الخلق في موافقته . ويقال : المقامات ثلاثة ؛ مقام العوام ابتداؤه النعمة ، وانتهاؤه المنّ والشّكر ، قوله تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ « 1 » . ومقام الخواصّ ابتداؤه الخدمة ، وانتهاؤه الرحمة والمغفرة ، قوله عز وجلّ : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ « 2 » . ومقام الأولياء والعارفين ابتداؤه الصفوة وانتهاؤه الرؤية . قوله عز وجلّ : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً « 3 » . وقوله عز وجلّ : أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ « 4 » . وعن أبي على الرازي « 5 » قال : لقد أقامني اللّه عزّ وجلّ مقامات ، لو ضرب ظهري بالسياط ما أخبرت بها أحدا . وقيل : أول ما يحتاج إليه العارف الفكر ، ثم العمل ، ثم الاجتهاد ، ثم المبادرة ، ثم التبرع ، ثم السباق ، ثم التوبة ، ثم النقلة ، ثم الانتقال ، ثم البصيرة ، ثم النظر ، ثم الفهم ، ثم التفهم ، ثم التعلق ، ثم الوصل ، ثم الاتصال ، ثم التنعم ، ثم الصبر ، ثم الاحتمال ، ثم التودد ، ثم التسليم ، ثم التفويض ، ثم الرضا ، ثم السكون ، ثم التوكّل ، ثم المناجاة ، ثم مقام الأولياء ، ثم مقام المتلذذين وهو أعلى مقامات العارفين . وعن إسماعيل بن نجيد قال : لا يبلغ الرجل شيئا من مقام القوم ، حتى تكون أفعاله عنده كلها رياء ، وأحواله كلها عنده دعاوى ! - وسئل بعضهم عن مقامات القلب ، فقال : أربع مقامات ؛ فمقرّ الإسلام منه يسمى صدرا ، قوله تعالى : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ « 6 » ، ومقرّ الإيمان

--> ( 1 ) سورة إبراهيم : 7 . ( 2 ) سورة الرحمن : 46 . ( 3 ) سورة الكهف : 110 . ( 4 ) سورة الزمر : 3 . ( 5 ) كذا بالأصل ولعله أبى على الروذباري . ( 6 ) سورة الزمر : 22 .