عبد الملك الخركوشي النيسابوري
74
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وكان إبراهيم بن أدهم وسفيان الثوري اصطحبنا بمكّة وكانا صائمين ، ففتح عليهما بشئ من العشاء ، فأخرجه إبراهيم بن أدهم ، فقال له سفيان : يا أبا إسحق ، إنك لتحتاج إلى قليل من العلم ، فلما أمسيا وجاء وقت الإفطار فتح لهما ، فأفطرا جميعا ، فقال إبراهيم لسفيان : يا أبا عبد اللّه ، إنك لتحتاج إلى قليل من اليقين . وقال أبو بكر الوراق : لو قيل للطمع من أبوك ؟ قال : الشّك في المقدور ، ولو قيل للشك : ما حرفتك ؟ قال : اكتساب الذلّ ، ولو قيل له ما غايتك ؟ لقال : الحرمان . وقال سعيد بن المسيب لصلة بن أشيم أن يدعو اللّه تعالى له بدعوة ، فقال : زهّدك اللّه في الفاني ، ورغّبك في الباقي ، ووهب لك يقينا تسكن إليه . وقال ابن مسعود : من اليقين أن لا ترضى الناس بسخط اللّه تعالى ، وأن لا تحمد أحدا على ما رزقك اللّه تعالى ، وأن لا تذم أحدا على ما لم يؤتك اللّه تعالى ، فإن رزق اللّه تعالى لا يجره حرص حريص ، ولا يمنعه كراهية كاره ، فإن اللّه تعالى جعل الروح والفرج في اليقين والرضا ، وجعل الهمّ والحزن في الشكّ والسّخط . وقال كعب : لو أن ثلاثة من أهل اليقين دعوا ربهم أن يزيل عنهم جبلا لأزاله . وروى الحسن أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لم يؤت الناس شيئا من الدّنيا خيرا من اليقين » « 1 » . قال الحسن سبط رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم باليقين طلبت الجنّة ، وباليقين هرب من النار ، وباليقين صبر على الحق . ويقال : إنّ للّه عزّ وجلّ عبادا لما تدبّروا أيقنوا ، فلمّا أيقنوا خافوا ، فلمّا خافوا تعلّموا ، فلمّا تعلّموا علموا ، فلمّا علموا أشفقوا ، فلمّا أشفقوا اجتهدوا . وقال بعضهم : إن أحببت أن تعلم علم اليقين ، فاجعل بينك وبين اللّه عزّ وجلّ أن لا تلتفت إلى شئ سواه ، وأن تجعل بينك وبين الدنيا حائطا من حديد . وقال سفيان الثورىّ : اليقين أن لا تتّهم مولاك في كلّ ما أصابك . وعن الجريري أنه قال : أدنى أوصاف الموقنين عيش القلب مع اللّه تعالى بلا علاقة . وعن أبي تراب النخشبى قال : رأيت غلاما حدثا في البادية بلا زاد ، فقلت في نفسي :
--> ( 1 ) هذا اللفظ ليس بلفظ حديث فيما أعلم . . واللّه أعلى وأعلم .