عبد الملك الخركوشي النيسابوري
67
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
- وسئل بعضهم عن قوله عزّ وجلّ : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ « 1 » قال : لنا مقام المشاهدة ، ولكم مقام الخدمة . وقيل في قوله عزّ وجلّ : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ « 2 » حتى تشاهد الحق . وقال الجنيد : معاينة الشئ مع فقد ذاته هي المشاهدة . وقال النوري : إذا امتزجت نار التعظيم مع نور الهيبة في السر ، هاجت ريح المحبة من حجر العطف على النار والنور ، فظهر منه الاشتياق ، وتلاشت البشرية ، فصارت المشاهدة .
--> - قال صلى اللّه عليه وسلم : « عجبا لأمر المؤمن كل أمره خير إن أصابه خير فشكر أجر وإن أصابه شر فصبر أجر » ، فالإيمان بالقدر أن يثق المؤمن ثقة اليقين أن اللّه يجرى عليه ما يصلحه حتى وإن كان ظاهره الشر فاللّه حكيم لطيف قدير وما من شئ في هذه الدنيا والآخرة إلا بقدر مسطور معلوم لمقدره بأمره شاء ذلك وقدره منذ الأزل وهذه المنطقة من الإيمان زلت فيها أقدام الكثير من المتكلمين ويمسك عند هذا الحد عملا بالقول المأثور : « إذا ذكر القدر فأمسكوا » - أي عن الكلام . ثم بعد استدامة المؤمن على العمل داخل الدائرتين الأولى والثانية تتسع نورانيته وتتسع معارفه ويزداد قربه ، فيخرج إلى الدائرة الثالثة وهي دائرة الإحسان التي أشار لها المصنف وأطلق عليها اصطلاح المشاهدة ، إلا أن النص النبوي فيه لفظ « كأنك » وهي للتشبيه والتمثيل فالمراد به هنا واللّه أعلم المراقبة والأقرب إلى الاصطلاح فيه هنا المراقبة ، وعلى كل الأحوال فالمعين واحد والروافد كثيرة ، نسأل اللّه تعالى أن ينفعنا بما علمنا ويعلمنا ما ينفعنا . وهذا مثل ما أشرنا إليه آنفا . ( 1 ) سورة الصافات : 164 . ( 2 ) سورة الحجر : 99 .