عبد الملك الخركوشي النيسابوري
479
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وقال أيضا : عجبت من ذي عقل يقول في دعائه : اللّهمّ لا تشمت بي الأعداء ثم هو يشمت بنفسه كل عدوّ ، وقيل له كيف ذاك ؟ قال : يعصى اللّه عزّ وجلّ فيشمت به في القيامة كل عدو . وقال أيضا : أكرم الكرماء من لم ينقص من قدرك لديه حاجتك إليه ، وأعلى من هذا من تدلّ عليه دلالا لفضل كرمه ، واتساع خلقه ، وكمال عقله ، وحسن أدبه ، فيرى المنة لك عليه حين أخبرته بحاجتك ، وأعلى من هذا من تدل عليه دلالا كما يدل الولد على أبويه ، وهذا غاية الكرم أن يكون الرجل بهذه الصفة حتى يكون سروره بما يعطيك كسرورك بما تأخذه منه . وقال أيضا : التجئوا إلى اللّه عزّ وجلّ في أعمالكم لا إلى أعمالكم لديه ، لأنه إذا استقصى لم يبق لكم حسنة ، وإن تفضل لم يبق عليكم سيئة . وقال أيضا : أكرم الكرماء المفضل عليك ابتداء . قيل ليحيى بن معاذ : لو شاء اللّه تعالى أن لا يعصى عباده لم يخلق إبليس ، فقال يحيى : لو شاء اللّه أن لا يعصى لم يخلق النار خلق المسكن قبل الساكن ، وأعد لهم العقاب قبل العمل . - وسئل يحيى بن معاذ عمن يكره المديح فقال : كيف لا يكره المدح ، وقد جاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التّراب » . وعن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه أنه قال : المدح هو الذبح . وقال يحيى بن معاذ : طلب الخدمة للّه عزّ وجلّ خير من تركها مع خدمة الخلق . وعن سفيان الثوري ، عن ليث قال : قال لي طاووس : ما تعلمت فتعلم لنفسك ، فإنّ الناس قد ذهبت منهم الأمانة . وقال ميمون بن مهران : صنفان من الناس ، لو صلحوا لصلح الناس كلهم ؛ الأمراء والقراء . وعن عبد اللّه بن المبارك ، قال : دخل رجل على مصعب بن الزبير وكان قد أحدث حدثا ، فأمر له بالسّياط ، فقال الرّجل : أسألك بالّذى أنت بين يديه يوم القيامة أذلّ منى بين يديك الساعة لما عفوت عنى ، فنزل مصعب عن السرير وألصق خده بالأرض وقال : قد عفوت عنك .