عبد الملك الخركوشي النيسابوري
425
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
- وسئل عبد اللّه بن المبارك : ما التّواضع ؟ فقال : التكبّر على المتكبّرين . وقال أبو علي الجوزجاني : النّفس معجونة بالكبر والحسد والحرص فمن أراد اللّه تعالى هلاكه منع منه التواضع والنّصيحة والقناعة ، وإذا أراد اللّه تعالى به خيرا فإذا هاجت في نفسه نار الكبر أدركها التواضع مع نصرة اللّه تعالى ، وإذا هاجت نار الحسد في نفسه أدركتها النصيحة مع توفيق اللّه عزّ وجلّ ، فإذا هاجت نار الحرص في نفسه أدركتها القناعة مع عون اللّه عزّ وجلّ . وقال أبو سليمان الدّارانى : اطلع اللّه على قلوب العباد ، فلم يجد قلبا أشد تواضعا من قلب موسى عليه السلام ، فخصّه منه بالكلام ، وأوحى اللّه تعالى إلى الجبال أنى مكلم عبدا من عبادي عليك فتطاولت ليكلمه عليها إلا الطور ، وقال : إن قدر شئ كان ، قال : فكلمه اللّه تعالى عليه لتواضعه . وقال أبو عثمان : أصل التّواضع من ثلاثة أشياء : من ذكر العبد جهله ، ومن ذكره ذنوبه ، ومن ذكره فقره إلى اللّه عزّ وجلّ . وعن الجنيد أنه كان يقول يوم الجمعة في مسلحة لولا أنه روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يكون في آخر الزّمان زعيم القوم أرذلهم » ، ما تكلمت عليكم . وقال الجنيد : التواضع عند أهل التوحيد تكبر . وعن محمّد بن شبة قال : كنت بمكة بين الصفا والمروة ، فرأيت رجلا راكبا بغلة وبين يديه غلمان ، وإذا هم يعنفون الناس ، قال : ثم عبرت بعد حين فدخلت بغداد ، فكنت على الجسر فإذا أنا برجل حاف حاسر طويل الشعر ، قال : فجعلت أنظر إليه وأتأمله فقال لي : ما لك تنظر إلىّ ؟ فقلت له : شبهتك برجل رأيته بمكة ووصفت له الصفة ، فقال : أنا ذاك الرجل ، فقلت : ما فعل اللّه بك ، فقال : إني ترفعت في موضع يتواضع فيه الناس فوضعني اللّه في موضع يترفع فيه الناس . ووقف بكر بن عبد اللّه بعرفات والناس يدعون ، فقال : ما أشرفها من بقعة وأرجاها لولا أنّى بها . وكان أيوب السختياني يقول : إن أقواما يريدون أن يتواضعوا ويأبى اللّه إلا أن يرفعهم ، وإن أقواما يريدون أن يترفعوا ويأبى اللّه إلا أن يضعهم . وقال المغيرة : كنا نهاب إبراهيم النخعي هيبة الأمير ، وكان يقول : إن زمانا صرت فيه فقيه الكوفة زمان سوء .