عبد الملك الخركوشي النيسابوري

417

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وقال لقمان لابنه : يا بنى ، من حفظ لسانه فقد أكرم نفسه ، ومن بسط لسانه ويده يندم ويخطئ حظ نفسه . وعن جابر بن سمرة قال : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قليل الضّحك كثير الصّمت » . وعن أبي حمزة الصوفي أنه قال : تكلمت في المسجد الحرام فأحسنت ، فسمعت هاتفا يهتف بي : قد تكلمت فأحسنت ؛ بقي أن تسكت فتحسن ، قالوا : ما تكلّم بعد ذلك إلى أن مات . ويقال : الصمت حلية المؤمن ، وله في الصمت ثلاث : حسن التفكر ، وحسن الظن ، وحسن التدبر . وأنشدت : الصّمت زين والسّكوت سلامة * فإذا نطقت فجانب الإكثارا ما إن ندمت على سكوت مرة * ولقد ندمت على الكلام مرارا ويقال : إن حاتم الأصم سأل شقيق بن إبراهيم عن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « الصّمت أرفع العبادة » ، فقال له شقيق : إن للصمت تفسيرين ؛ أحدهما أوسع والآخر أضيق ، قال : قلت أخبرني بالذي هو أوسع ، قال : فقال لي : يا أبا حاتم اصمت فلا تتكلم حتى ترى ثواب كلامك . قال : قلت : أخبرني بالذي هو أضيق من هذا ، فقال : اصمت فلا تتكلم حتى تخشى إن لم تتكلم أن يؤاخذك اللّه عزّ وجلّ . وقال ممشاد الدينوري : إن الحكماء وزنوا الحكمة بالصمت والتفكر ، فأطلق سبحانه وتعالى بما ليس بينهم وبينه غيره . وقيل : إذا كان الإنسان ناطقا بما يعنيه ، وفيما لا بدّ منه ، فهو في حد الصمت ، فإذا كان ناطقا فيما لا يعنيه ، وفيما له منه بدّ ، فذلك يزيل عنه حكم الصمت . وقال سهل : لا تصح لأحد التوبة حتى يلزم نفسه الصمت ، ولا يصح لأحد الصمت حتى يلزم نفسه الخلوة . وعن إبراهيم الخواص قال : كان عندي أن التصوف بالكلام فإذا تكلمت بالتصوف كنت صوفيا ، فتكلمت يوما مع النويري في الفناء والبقاء فرددت عليه ، فهتف بي هاتف : يا أبا إسحاق ، نريدك للسكوت لا للكلام . قلت : يا سادتي كان غرضى في الكلام أن تريدونى ، فإذا أردتمونى للسكوت فإني لا أتكلم أبدا .