عبد الملك الخركوشي النيسابوري

397

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وقال الشاعر : فغضّ الطّرف إنّك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا فقال لها أحدهم : ما هذا الديك ؟ فقالت : هو النار المطل على نمير * أفتح من السّماء لها انصبابا وتزوج عبد الملك بن مروان أمّ البهاء بنت عبد اللّه بن جعفر فقالت له يوما : لو استكت فقال : ما أستاك منك ثم طلقها ، فتزوجها علىّ بن عبد اللّه بن عباس وكان أقرعا وكانت القلنسوة لا تفارقه ، فدسّ عليه عبد الملك بن مروان جارية له ، وقال : اكشفى القلنسوة بحضرتها ، فلما فعلت قالت لها : قد علمت من أمرك بهذا ، فقولي له هاشمي أقرع أحبّ إلىّ من أموي أبخر . ودخل ضمرة على النّعمان فاستقصر به وأجلسه في ذيل مجلسه ، فقال ضمرة : أيها الأمير ، إن الرجال لا تكال بالصيعان ، وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه إن تكلّم تكلّم ببيان وإن قاتل قاتل بجنان . قال له النّعمان : أفأسألك عن أشياء تخبرني بها ؟ قال له : سل ، فقال النعمان : ما أنفع الأموال ، وما أنفع العلوم ، وما أضرّ العلوم وما المقت اللازم ، وما الذل الدائم ، وما الداء العضال ، وما السوء السوءاء ؟ فقال ضمرة : أما أنفع الأموال فالمعادن والأرضون . وأما أنفع العلوم فالعلم الذي يشتهر به الإنسان فيغنيه عن السؤال والتذلل له . وأما أضر العلوم فالذي يصل إلى الإنسان من غير مسألة فيأخذ بتصغير وتحقير وقد أسر المحبّة . وأما المقت اللازم فكثرة السؤال . وأما الذل الدائم فكثرة الدين وكثرة الأعداء ، وقلة الأصفياء . وأما الداء العضال فالجار السوء إن كان فوقك قهرك ، وإن كان دونك هزمك ، وإن أعطيته كفرّك ، وإن منعته شتمك ، فإذا كان ذاك جارك فخلّ دارك وعجّل فرارك وإلا فأقم بذل وصغار وكن ككلب هرار . وأما السّوءة السّوءاء فالحليلة السخابة ، الخفيفة الوثّابة ، السليطة السبابة ، التي تغضب من غير غضب ، وتضحك من غير عجب ، المخوف غيبها ، والظاهر عيبها ، فبعلها لا تحسن له حال ، ولا ينعم له بال ، فهو يحوم حولها ويستمع قولها ، إن غضبت ترضاها ، وإن رضيت تفداها ، إن كان غنيا لم ينفعه غناه ، وإن كان فقيرا أبدت له قلى ، فأراح اللّه منها بعلها ولا أمتع بها أهلها وملأ منها قبرها والسلام . فأعجب النعمان وعرض على ضمرة شيئا من المال فأبى أن يقبله .