عبد الملك الخركوشي النيسابوري
36
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
محجوب ألا ترى إلى قضاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من أحيّا أرضا ميتة فهي له » « 1 » . ويقال : من عرف اللّه تعالى استراح قلبه من هموم الدنيا وأحزان الآخرة . ويقال : من عرف اللّه استغنى به واشتغل بذكره . ويقال : معصية العارف فيما بين الفرح والحزن ، حزن على ما في المعصية من الجفا مع اللّه تعالى ، وفرح بما رأى من منّه عليه إذ لم تكن مكان المعصية شرك . وقال بعضهم : العارف تبكى عينه ويضحك قلبه ، لأنه إذا ذكر المعصية بكت عينه عند ذكرها ، ثم إذا ذكر المعرفة ضحك قلبه من السرور لمعرفته . ووصف بعضهم العارفين فقال : صفت قلوبهم عن التدنس بالآفات ، فلم يروا به بديلا ، ولا عنه تحويلا ، ولا سواه كفيلا ، بل اكتفوا به هاديا ودليلا ، أولئك قوم بسطوا فيما بينهم وبين معروفهم بساط الرضى . وقيل لذي النون : صف لنا العارف ، قال : كان هاهنا ثم ذهب . - وسئل ذو النون : ما أغلب أحوال العارف ؟ قال : رؤية كلّ شئ منه ، والرجوع في كلّ شئ إليه ، وسؤاله كل شئ منه . وقال أيضا : إنّ أهل المعرفة تركوا الذنب استحياء من كرم اللّه عزّ وجلّ لا خوفا من عقوبته . ولو قال لك افعل ما شئت فلست آخذك بذنب ، هل كان ينبغي لك أن يزيدك كرمه إلا استحياء منه ، فكيف وقد حذّرك ! وقال أبو تراب النخشبى : الذي حجب قلوب العارفين باللّه عن اللّه ، دوام نظرهم إلى اللّه عزّ وجلّ . ويروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال : من لم يعرف اللّه في الدنيا لم يعرفه في الآخرة . وعن أبي الحسين النوري أنه قال : قد حيل بيني وبين قلبي مذ أربعين سنة ، وما اشتهيت شيئا ، ولا تمنيت شيئا ، ولا استحسنت شيئا ، منذ عرفت ربى عزّ وجلّ !
--> ( 1 ) سبحان الله ! في وجه استدلاله بالحديث ؛ حيث حمله على حمل لم يحمله عليه غيره ، فالحديث رواه البخاري في صحيحه - في باب إحياء المؤت - وهي الأرض التي لا صاحب لها ولا زرع ونخل ، فمن أحياها بإصلاحها للزراعة فهي له ولعقبه من بعده يتوارثون فيها . .