عبد الملك الخركوشي النيسابوري

354

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وقال بعضهم : الفناء فناء الجهل ببقاء العلم ، وفناء الغفلة ببقاء الذكر ، وفناء المعصية ببقاء الطاعة . وقال الجنيد : كنت في أحوال ثلاثة ؛ أمّا الأولى فلو بكت علىّ السماوات والأرض لم يكن عجبا من شدة تحيرى ، ثم حدثت حالة لو بكت علىّ أهل السماوات والأرض من غيبتهم عن الحق وجهلهم به لم يكن عجبا . ثم حدثت حالة أخرى لم أر إلّا نعوتا قائمة قدرة ومشيئة وملكا وقضية ، فطالعت الأولية والآخرية فغبت عن الكل وفنيت عنها وفيها بقائى . وقال أبو العباس بن عطاء : أول ما دخلوا في الفناء أسقطوا عن أنفسهم كلّ شئ إلا التزام العبودية ، فإنّ صحة الفناء والبقاء بصحة العبودية ، ويقال : أمر الفناء لا يصحّ إلا لمن فنيت نفسه عن الآثام كلّها ، وعن الفضول ، وعما لا يعنيه . ويقال : علم الفناء والبقاء ، هو علم فناء الدنيا وزوالها ، وعلم بقاء الآخرة ودوامها ، قال اللّه تعالى : وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى « 1 » . وأنشدت : لا كنت إن كنت أدرى * كيف السبيل إليكا أفنيتنى عن جميعى * فصرت أبكى عليكا ولذي النّون المصري رضى اللّه عنه : وقوم تاه في أرض بقفر * وقوم تاه في ميدان حبّه فأفنوا ثم أفنوا ثمّ أفنوا * وحي صار في ميدان قربه فأبقوا ثم أبقوا ثم أبقوا * وأذنوا بالدنو من قرب قربه أفنوا عن حظوظ أنفسهم ، وعن الخلق ، وعن المراد والهمّة . وثلاثة أنواع من البقاء يبقون ببقاء المعرفة ، ثم ببقاء الأنس ، ثم ببقاء الرؤية ، ومعنى يبقيه أي يحييه .

--> ( 1 ) سورة الأعلى : 17 .