عبد الملك الخركوشي النيسابوري

305

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

الحقّ عند العطا ، وسقاني بكأس الصفا فأدركت به منازل الرضا ، وأخرجني إلى رياض النزهة والعطا . وقال أهل السّماع : السّماع على ثلاثة أضرب ؛ ضرب منهم أبناء الحقائق ، وهم الذين يرجعون منهم إلى مخاطبة الحقّ لهم فيما يسمعون . وضرب منهم يرجعون فيما يسمعون إلى مخاطبات أحوالهم وأوقاتهم ومقاماتهم ، وهم مرتبطون بالعلم ، ومطالبون بالصدق فيما يشيرون إليه من ذلك . والضرب الثالث : هم الفقراء المجرّدون ، الذين قطعوا العلائق ولم تتلوث قلوبهم بمحبة الدنيا بالجمع ، والاشتغال والمنع ، فهم يسعون بطيبة قلوبهم ، ويليق بهم السّماع ، وهم أقرب الناس إلى السّلامة ، وأسلمهم من الفتنة . - وسئل الجنيد : ما بال الإنسان يكون إذا سمع اضطرب ؟ فقال : إن اللّه تعالى لما خاطب الذرّ في الميثاق الأول بقوله له : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ « 1 » ، استفرغت الأرواح عذوبة الكلام ، فإذا سمعوا السماع حركّكم ذكر ذلك . وقيل : إن كنت تتحرك عند السّماع ، فما بالك سكت ؟ فقرأ الجنيد وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ « 2 » ، فكأنه قال : إنكم ترون سكون جوارحي ولا ترون ما في قلبي . وقال ذو النون : السّماع لهو لمن تلهى به ، وحقيقة لمن تحقق فيه . وقيل : السماع سرّ وفي السرّ معنى وللمعنى وقت ، وللوقت صفاء . قال عبد الملك الواعظ رضى اللّه عنه : أنشدني الحسين بن الحسن الكاتب لبعضهم في السّماع : إن كنت تنكر أن للصوت فائدة ونفعا * فانظر إلى الإبل اللواتي هنّ أغلظ منك طبعا تصغى إلى صوت الحداة * فتقطع الفلوات قطعا

--> ( 1 ) سورة الأعراف : 172 . ( 2 ) سورة النمل : 88 .