عبد الملك الخركوشي النيسابوري
299
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وقال ابن عباس رضى اللّه عنه : أفرس الناس خمسة ؛ بنت شعيب تفرست في موسى عليه السلام ، فقالت : يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ « 1 » ، والملك الذي تفرس في يوسف ، والقوم فيه زاهدون . والعزيز الذي تفرّس في يوسف ، فقال لامرأته : أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً « 2 » . وأبو بكر الصديق رضى اللّه عنه حين تفرس في عمر رضى اللّه عنه فاستخلفه . وخديجة رضى اللّه عنها حين تفرست في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتبعته قبل أن يوحى إليه . وقيل لبعض الحكماء : ما الفراسة ؟ قال : الإصابة بالظنون ، ومعرفة ما لم يكن بما قد كان . وقيل لبعضهم : ما علامة الفراسة ؟ قال : إصابة الظن بالحقيقة . وقال خير النساج : كنت ذات يوم جالسا ، فجرى في خاطري أن الجنيد بالباب أخرج إليه ، فنفيته عن قلبي واعتقدت أنه وسوسة من الشيطان ، فخطر بقلبي ثانية أن الجنيد بالباب أخرج إليه ، فنفيت ذلك عن سرى ، فوقع لي خاطر ثالث فعلمت أنه حق وليس بوسوسة ، ففتحت باب الدار فإذا الجنيد قائم ، فقال لي : لم لم تخرج مع الخاطر الأول ؟ ؟ . وقال أبو عثمان المقرى : جاء إبراهيم بن المولد إلى أبى الخير التيناتى فصلى خلفه ، فقرأ أبو الخير فاتحة الكتاب فاستصغره إبراهيم بن المولد ، وخطر بباله أنى جئت إلى هذا الرجل وهو في نفسه لا يقوم فاتحة الكتاب ، فلمّا صلّى حمل الركوة لتطهره فحمل عليه السبع ، ففزع إبراهيم ورجع إلى أبى الخير فقال أبو الخير : ما لك ؟ فقال : جاء الأسد ، فجاء أبو الخير فقال : أليس قلت : لا تتعرّضوا لأضيافنا ؟ ؟ فرجع الأسد ، فقال أبو الخير لإبراهيم : نعم أنتم اشتغلتم بتقويم الظاهر ، ونحن اشتغلنا بتقويم الباطن ، فمن اشتغل بتقويم الظاهر خاف من الأسد ، ومن اشتغل بتقويم الباطن خاف منه الأسد . سمعت أبا الحسن الهمذاني الوصي ، قال : سمعت أحمد النقيب ، قال : دخلت على الشبلي فقال : صفعونا يا أحمد ، فقلت : ما الخبر ؟ فقال لي : كنت جالسا فجرى بخاطرى أنك بخيل ، فقلت : ما أنا ببخيل فقاومنى خاطري وقال : بلى إنك بخيل فقلت : ما فتح اليوم على بشئ إلّا أدفعه إلى أول فقير يلقاني ، فما استتم الخاطر حتى دخل علىّ صاحب يونس الخادم . ومعه خمسون دينارا ، فقال : اجعلها في مصالحك ، فأخذتها وقمت فخرجت ، فإذا أنا بفقير مكفوف بين يدي مزين يحلق رأسه ، فقدمت إليه وناولته الصّرّة ،
--> ( 1 ) سورة القصص : 26 . ( 2 ) سورة يوسف : 21 .