عبد الملك الخركوشي النيسابوري
288
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وقال وهب بن منّبه : وجدت في بعض كتب اللّه تعالى : يا ابن آدم ، إذا ذكرتني ذكرتك ، وإذا تركتني تركتك ، والساعة التي لا تذكرنى فيها عليك لا لك . وقال أبو يزيد : رأيت في المنام كأني رفعت إلى السماء فاجتمعت الملائكة علىّ ، فقالوا : يا أبا يزيد تعال حتى نذكر اللّه عزّ وجلّ ، فقلت : لساني ليس ، فرفعت إلى السماء الثانية والثالثة والرابعة ، إلى أن رفعت إلى السماء السابعة ، فقالت الملائكة لي : تعال حتى نذكر اللّه تعالى ، فقلت : لساني ليس ، فقالوا لي : متى لا يكون لك لسان تذكر اللّه تعالى به ؟ قلت : حتى يشتغل أهلّ النعيم بالنعيم ، وأهل الجحيم بالجحيم ، ثم يعيطينى ربّى عزّ وجلّ لسان أهل السماوات وأهل الأرض ، فأقوم بين يدي العرش ، وأقول بلسان الأبديّة في أبد الأبدية : ( اللّه ) . وكان أبو يزيد متى أراد أن يذكر اللّه تعالى تمضمض وغسل فاه بماء الورد تعظيما لذكر اللّه . ويقال : ذكر اللّه تعالى ذكر ألطافه فإذا ذكرت ألطافه ، فقد ذكرته . - وسئل بعضهم : هل في الجنة ذكر ؟ فقال : الذكر طرد الغفلة ، فإذا ارتفعت الغفلة فلا معنى للذكر . ثم أنشد : كفى حزنا أنى أناديك دائبا * كأني بعيد أو كأنك غائب وأطلب منك الفضل من غير رغبة * ولم أر قبلي زاهدا فيك أرغب وقال الشبلي : ذكر الغفلة يكون جوابه اللعن . وأنشد : ما أن ذكرتك إلّا همّ يلعننى * سرى وفكرى وذكرى عند ذكراكا حتى كأنّ رقيبا منك يهتف بي * إياك ويحك والتذكار إياكا وعن مالك بن دينار أنه قال : قرأت في بعض الكتب : أن اللّه تعالى يقول : « أهون ما أنا صانع بالعالم إذا أحب الدنيا ، أن أخرج حلاوة ذكرى من قلبه » . وقال سهل بن عبد اللّه : الأنفاس معدودة ، فكل نفس يخرج بغير ذكر اللّه تعالى فهو ميت ، وكل نفس يخرج بذكره فهو حي موصول باللّه عزّ وجلّ .