عبد الملك الخركوشي النيسابوري
280
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وعن شعيب بن حرب قال : دخلت على مالك بن مغول بالكوفة وهو في داره وحده جالس ، فقلت : أما تستوحش في هذه الدار وحدك ؟ قال : ما كنت أرى أنّ أحدا يستوحش مع اللّه سبحانه . وقال سرى بن حيّان : أنست بالوحدة من بعد ما كنت بالوحدة مستوحشا . واعتزل بعض المشايخ بطرسوس من الناس فقيل له : أهاهنا أحد تستأنس به ؟ قال : نعم ، قيل : فمن هو ؟ فمدّ يده إلى المصحف ووضعه في حجره وقال : هذا . ويروى أن رجلا جاء إلى شعيب بن حرب وهو بمكة ، فقال له : ما جاء بك ؟ قال جئت أؤنسك ، قال : تؤانسنى وأنا أعالج الوحدة منذ أربعين سنة . وجاء رجل إلى ابن الصياد ، فقال : ما جاء بك ؟ فقال : أكون معك ونعبد اللّه تعالى معا ، قال : يا أخي ، إن العبادة لا تكون بالشّركة ، ومن لم يأنس باللّه عزّ وجلّ لم يأنس بشئ . وقال شعيب بن حرب لرجل : لا تجلس إلّا مع أحد رجلين ؛ رجل جلست إليه يعلمك خيرا فتقّبل منه ، ورجل تعلمه خيرا فيقبل منك ، والثالث فاهرب منه . وقيل للحسن : هاهنا رجل لم نره قط جالسا إلى أحد ، إنما هو أبدا خلف سارية وحده ، فقال : الحسن إذا رأيتموه فأخبروني به قال : فمروا به ذات يوم ومعهم الحسن ، فأشاروا إليه ، فقالوا : ذلك الرّجل الذي أخبرناك به ، فقال : امضوا بنا حتى نأتيه ، فلما جاءه قال : يا عبد اللّه ، أراك حبّب إليك العزلة ، فما يمنعك من مخالطة الناس ؟ قال : ما أشغلنى عن مخالطة الناس ، قال : تأتى الرجل الذي يقال له الحسن فتجلس إليه ، قال : ما أشغلنى عن الحسن ! ؟ قال : فما شغلك رحمك اللّه عن الناس ، قال : إني أصبح وأمسى بين ذنب ونعمة ، فرأيت أن أشغل نفسي عن الناس بالاستغفار للذّنب والشكر للّه عزّ وجلّ على النعمة ، فقال الحسن : أنت عندي يا عبد اللّه أفقه من الحسن ، فالزم ما أنت عليه يا عبد اللّه . وعن بعضهم قال : مررت ذات يوم بالفضيل بن عياض وهو خلف سارية وحده ، وكان صديقا لي فجئته فسلّمت عليه وجلّست ، فقال : يا أخي ، ما أجلسك إلىّ ؟ قلت : رأيتك وحدك فاغتممت لوحدتك ، فقال : أما أنك لو لم تجلس إلىّ لكان خيرا لك وخيرا لي ، فاختر إما أن أقوم وإمّا أن تقوم عنى ، فقلت : لا ، بل أنا أقوم عنك ، فاوصنى بوصية ينفعني اللّه بها ، قال : يا عبد اللّه ، أخف مكانك ، واحفظ لسانك ، واستغفر اللّه تعالى لذنبك ، وللمؤمنين والمؤمنات كما أمرك .