عبد الملك الخركوشي النيسابوري
271
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وحكى عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يقول : عليك بعمل الأبطال ؛ الكسب من الحلال ، والنفقة على العيال . وقال محمد بن الحسين : سمعت أن جيران أويس القرني ظنّوا أنه مجنون ، فبنوا له بيتا على باب داره ، فكان يأتي عليه السنة والسنتان لا يرون له وجها ، وكان طعامه مما يلقط من النوى ، فإذا أمسى باعه ، وإن أصاب حشفة حبسها لإفطاره . وقال عبد اللّه بن منازل : اعلم أن مكاسبك لا تمنعك من التفويض في التوكل ، إذا لم تصنع هذين الأمرين في كسبك النية والإخلاص . وكان أبو القاسم المنادى يخرج من منزله كل يوم ، فإذا وقع في يده مقدار دانقين يرجع من الطريق إلى منزله أي وقت كان . وحكى أنه كان بدمشق أسود يصحب الصوفية ، وكان يمر في كل يوم يدق الجص بثلاثة دراهم ، ولا يأكل إلا في ثلاثة أيام ، فإذا أخذ الأجرة اشترى بها طعاما وجاء به إلى أصحابه فأكل معهم أكلة ، ورجع إلى عمله . - وسأل رجل إبراهيم بن سالم بالبصرة وكان يتكلم في فضل المكاسب ، فقال : أيها الناس ، نحن متعبدون بالكسب أو بالتوكل ؟ فقال ابن سالم : التوكل حال النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والكسب سنته ، وإنما سن لهم الكسب لعلمه بضعفهم ، حتى إذا سقطوا عن درجة التوكل الذي هو حاله ، لم يسقطوا عن درجة طلب المعاش بالمكاسب التي هي سنته ، ولولا ذلك لهلكوا . وعن الأعمش ، عن إبراهيم قال : كانوا يرون العامل بيده أفضل من التاجر ، والتاجر أفضل من الجالس . وعن ابن مسعود : قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ طلب الكسب الحلال فريضة بعد الفريضة » . وعن المقدام بن معد يكرب ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما أكل أحد طعاما قطّ خير من أن يأكل من عمل يديه ، وكان نبىّ اللّه داود يأكل من عمل يده » . وعن أنس بن مالك ، أن رجلا من الأنصار أتى النّبى صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه جئتك من أهل بيتي ولا أرجع إليهم إلا وقد هلكوا أو يهلك بعضهم ، فقال النّبى صلى اللّه عليه وسلم : « وما يهلككم [ أو يهلكهم ] » ، قال : الجوع ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أما عندك شئ » ، فقال : لا واللّه يا رسول