عبد الملك الخركوشي النيسابوري

260

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

سمعت أبا محمد الأزدي بمصر السنة التي وقع إحراق المسجد بمصر يقول : أحرقوا خانا للنصارى مكافأة لهم على ذلك ، وظنوا أن النصارى أحرقوا ذلك المسجد ، فقبض السلطان على جماعة من المسلمين الذين شرعوا في إحراق الخان ، وكتب الرقاع ، ونثرها عليهم ، وعزم أن يأخذ كل واحد منهم رقعة منها ، فكان في بعضها القتل ، وفي بعضها القطع ، وفي بعضها الجلد ، فأخذ واحد منهم رقعة القتل ، فقال : ما أبالي لولا أم لي ، وكان بجنبه بعض الفتيان وكانت رقعته الجلد ، فقال : ليس لي أم فادفع إلى رقعتك وأدفع إليك رقعتى ، ففعل ذلك الفتى وخلص هذا من القتل فهذا غاية الإيثار . وعن عياش بن دهقان أنه قال : ما خرج أحد من الدنيا كما دخلها إلا بشر بن الحارث فإنه أتاه في مرضه ، فشكا إليه الحاجة ، فنزعه ثوبه وأعطاه إياه ، واستعار ثوبا فمات فيه . وعن أبي عمرو الخلقانى ، قال : خرجت مع سرى السقطي يوم العيد من المسجد ، فلقى رجلا جليلا فسلم عليه سلاما ناقصا فقلت له : إن هذا فلان ، قال : قد عرفته ، قلت : فلم نقصته في السلام ، قال : لأنه يروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا التقى المسلمان قسمت بينهما مائة رحمة تسعون لأبشّهما » ، فأردت أن يكون معه الأكثر . وعن الجنيد بن محمد قال : السخاء خلق من أخلاق اللّه - عزّ وجلّ - عظيم ، أكرم به الأنبياء ، والأبدال ، والصالحين . والإيثار أعلى منزلة منه ، وهو خلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد قال اللّه عزّ وجلّ : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ « 1 » ، فما ظنك بشئ سماه اللّه تعالى عظيما . وعن عاصم بن محمد العمرى قال : حدثني رجل كان يلزم الأمراء قال : بعثني عبد الملك بن مروان إلى أبى زينب العابد ، وحمل معي ألف دينار إليه ، فأتيته وقد أقيمت الصلاة ولم يلتفت إلىّ ، فلما قضى صلاته قلت له : هذه ألف دينار بعث بها أمير المؤمنين إليك ، فقام رجل سائل يسأل الناس ، فقال له أبو زينب ، قم فادفعها إليه ، فقلت : إنها ألف دينار ، فقال : يا ابن أخي ، ما عند اللّه أكثر أهي أكثر أم الخلد والنعيم الدائم أكثر ؟ ادفعها إليه ، قال : فقمت فدفعتها إلى السائل . وقال محمد بن الفرجى : خرجت من أرض الشام من طريق المفازة ، فوقعت في التيه ، فمكثت فيه أياما حتى أشرفت على الموت ، قال : فبينا أنا كذلك إذ رأيت راهبين يسيران كأنهما قد خرجا من مكان قريب يريدان ديرا لهما قريبا ، فقمت إليهما ، فقلت : أين تريدان أنتما ؟ قالا : لا ندري ، قلت : فمن أين أقبلتما ؟ قالا : لا ندري ، قلت : أتدريان أين أنتما ؟

--> ( 1 ) سورة القلم : 4 .