عبد الملك الخركوشي النيسابوري
258
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
36 - باب في ذكر الإيثار أخبرنا أبو سعد ، قال : أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن رجاء قال : حدّثنا أبو بكر أحمد بن عبيدة ، قال : حدّثنا محمد بن نافع المصري ، حدّثنا أسد بن موسى ، حدّثنا سعيد بن زيد ، حدثنا عمرو بن خالد ، حدّثنا حبيب بن أبي ثابت ، عن نافع قال : اشتهى ابن عمر سمكة طرية لما نقه من مرضه ، فالتمست له بالمدينة ، فلم توجد ثم وجدت بعد كذا وكذا ، فاشتريت بدرهم ونصف ، فشويت وجئ بها على رغيف حتى وضعت بين يديه ، فقام سائل بالباب ، فقال للغلام : تعال لفها برغيفها فادفعها إليه ، فقال له الغلام : أصلحك اللّه ، قد اشتهيتها منذ كذا وكذا فلم نجدها حتى وجدناها ، فاشتريناها بدرهم ونصف ونحن نعطى السائل ثمنها ، قال : لفها وادفعها إليه ، قال الغلام للسائل : هل لك أن تأخذ درهما وتردها ؛ فأخذها ووضعها بين يديه ، وقال له : يا أبا عبد الرحمن ، قد أعطيته درهما وأخذتها منه ، قال لفها وادفعها إليه ولا تأخذ منه الدرهم ، إني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « أيما امرئ اشتهى شهوة فرّد شهوته وآثر على نفسه غفر له » . وعن أبي الحسن الأنطاكي أنه اجتمع نيف وثلاثون نفسا ، وكانوا في قرية بقرب الرّى ، ولهم أرغفة معدودة لم تسع جميعهم ، فكسروا الرغفان وأطفؤوا السراج وجلسوا للطعام ، فلما رفع فإذا الطعام بحاله ولم يأكل واحد منهم شيئا إيثارا لصاحبه على نفسه . وروى أن شعبة جاءه سائل ولم يكن عنده شئ ، فنزع خشبة من سقف بيته فأعطاه ، ثم اعتذر إليه . وقال ابن عطاء : سعى ساع بالصوفية إلى الخليفة ، فقال : إن هاهنا قوما من الزنادقة يرفضون الشريعة ، فأخذ أبو الحسين النوري ، وأبو حمزة ، والرقام ، وتستر الجنيد بالفقه ، وكان يتكلم على مذهب أبي ثور ، فأدخلوا على الخليفة ، فأمر بضرب أعناقهم ، فبدر أبو الحسين إلى السياف ليضرب عنقه ، فقال له السياف : بدرت من بين أصحابك ، قال : أحببت أن أوثر أصحابي بحياة هذه اللحظة ، فتعجب السياف وجميع من حضر من ذلك ، وكتب إلى الخليفة ، فرد أمرهم إلى قاضى القضاة فقام إليه النوري ، فسأله عن أصول الفرائض في الطهارة والصلاة ، فأجابه ، ثم قال : وبعد هذا فإن للّه عبادا يأكلون باللّه ، ويلبسون باللّه ، ويسمعون باللّه ، ويصدرون باللّه ، ويوردون باللّه ، فلما سمع القاضي كلامه بكى بكاء