عبد الملك الخركوشي النيسابوري
222
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وقال علي بن الموفق لما تم لي ستون حجة قعدت بحد الميزاب في المسجد الحرام ، فجعلت أتفكر وأقول : إلى كم أتردد إلى هذا البيت ، ولا أدرى هل يحبني أم لا ، قال : فغلبتني عيناي ، فإذا أنا بقائل يقول : يا علي ، وهل تدعو إلى بيتك من لا تحبه ، وهل تدعو إلى بيتك إلا من تحبه ، قال : فانتبهت وسرّى عنى ذلك . وقال علي بن الموفق : حججت نيفا وخمسين حجة ، فجعلت ثوابها للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولأبى بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلىّ رضى اللّه عنهم أجمعين . ولأبوى ، فبقيت حجة واحدة ، قال : فنظرت إلى أهل الموقف بعرفات وضجيج أصواتهم ، فقلت : اللهم إن كان في هؤلاء أحد لم تتقبل حجته ، فقد وهبت له هذه الحجة ليكون ثوابها له ، فبت تلك الليلة بالمزدلفة ، فرأيت ربّى عزّ وجلّ في المنام ، فقال لي : « يا علىّ بن الموفق أعلىّ تتسخى ؟ قد غفرت لأهل الموقف ومثلهم وأضعافهم ، وشفعت كل رجل منهم في أهل بيته ، وخاصته ، وجيرانه ، وأنا أهل التقوى وأهل المغفرة » . قال أبو عبد اللّه المغربي : خرجت حاجا ، فبينا أنا في برية تبوك ، إذا أنا بامرأة بلا يدين ولا رجلين ولا عينين ، فتعجبت منها ، ثم قلت لها : من أين أقبلت يا أمة اللّه ؟ قالت : من عنده ، قلت : وأين تريدين ؟ قالت : إليه ، قلت : يا سبحان اللّه بادية تبوك وليس فيها مغيث وأنت على هذه الحالة ، قالت : يا سبحان اللّه أغمض عينيك ، فغمضتهما ، ثم فتحتهما ، فإذا أنا بها متعلقة بأستار الكعبة ، ثم قالت : يا أبا عبد اللّه أتعجب من ضعيف حمله قوى ، ثم طارت بين السماء والأرض . وقال جعفر بن سليمان الضبعي : كنت مع مالك بن دينار بمكة فلما ذهب يلبى سقط فقلنا له يا أبا يحيى ، ما شأنك ؟ قال : خشيت أن يقال لي : لا لبيك لا لبيك . قال أبو عبد اللّه بن الجلّاء : كنت بذى الحليفة ، وشاب يريد أن يحرم ، فكان يقول : يا رب أريد أن أقول لبيك اللهم لبيك ، فأخشى أن تجيبني بلا لبيك ولا سعديك ، يردد ذلك مرارا ، ثم قال : لبيك اللهم ، ومد بها صوته وخرجت روحه . وقال أبو علي السّاوى عروس الحرمين ، كنا جلوسا عند أبي عمرو الزجاجي ، إذ جاءه بعض العجم ، فقال : أعطني البراءة فإني قد حججت ، ودلني أصحابك عليك ، لآخذ منك البراءة ، فعلم أبو عمرو سلامة صدره ، وأن أصحابه مازحوه ، فقال له أبو عمرو : اذهب إلى ذلك الموضع - وأشار بيده إلى الملتزم - فقل يا رب أعطني البراءة قال : فما لبثنا إلا قليلا