عبد الملك الخركوشي النيسابوري

212

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وقال سهل : من حسنت صلاته في السّر والعلانية استأنس به كلّ شئ . وقيل إن أبا بكر الدّقى دخل في الصلاة يوما - فجاء عدوله فقطع أذنه ، فلم يحسّ به ، فلما خرج من الصلاة رأى الدم ، فنظر فإذا أذنه مقطوعة . وكان عتبة الغلام إذا قام للصلاة يعرق بدنه في الشتاء والصيف فقيل له في ذلك ، فقال حياء من اللّه عزّ وجلّ . وحكى أن ابن ملكي كان يصلى ثلاثين سنة في موضع واحد من الجامع ، فمات ذات يوم في دربه إنسان ، فاشتغل بتجهيزه ، فأبطأ عن الجامع فلم يصل موضعه وصلى في موضع آخر ، فنازعته نفسه في أن الناس لم يروه في موضعه ، فقال لنفسه : يا مسكينة ، فأنت كنت تصلّين للناس لا للّه عزّ وجلّ ، فأعاد صلاة ثلاثين سنة . وكان الجنيد في أيام اشتغاله بالتجارة يختلف إلى الحانوت فيسبل ستره ويضع روزنامجته بين يديه ، ويقوم فيشتغل بالصلاة ، فإذا أحسّ بإنسان تناول الروزنامجة وأظهر كأنه ينظر فيها ، لئلا يطلع على صلاته . وذكر أن النباجى صلّى بأهل طرسوس فصيح النفير فلم يخفّف الصلاة ، فلما فرغوا قالوا له : أنت جاسوس فقال : لم ؟ قيل : لأنك لم تخفف الصلاة وقد صيح النفير ، فقال : إنما سميت الصلاة لأنها اتصال باللّه سبحانه ، وما حسبت أن أحدا يكون في الصلاة فيقع في سمعه غير ما يخاطبه اللّه سبحانه وتعالى . وكان عطاء السلمى إذا صلى لم ير رأسه من خلفه . وكان الربيع بن خثيم يصلى في الليل ، فجاء سارق فسرق فرسه وكان ثمنه عشرين ألفا ، وهو ينظر إليه فلم يقطع صلاته ، فذهب به ، فلما أصبح أتاه الناس يعزّونه به ، فقال : أما إني قد نظرت إليه وهو يحله ، فقيل له : ما منعك منه ؟ فقال : كنت في أمر أحب إلىّ منه ، فما ارتفع النهار حتى جاء الفرس يجر رسنه قد انفلت حتى قام على المدود . وعن وهيب بن الورد أنه سرق فرسه بثمن عشرين ألفا وهو يصلى ويرى السارق ، فقيل له في ذلك ، فقال : رأيت السارق حين حله ، قيل : فلم لم تمنعه ؟ قال : كان يسرق فما أحببت أن أسرق أنا ، قيل : كيف ؟ قال : من صلاتي . وقيل لبعضهم : متى يكون المصلّى مناجيا ؟ قال : إذا خلا بمولاه ، وخلا قلبه عن ذكر ما سواه .