عبد الملك الخركوشي النيسابوري

211

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

بلغني أن الفساق يتصبرون تحت سياط السلطان ليقال : فلان صبور ليفتخرون بذلك وأنا قائم بين يدي اللّه عزّ وجلّ أفأتحرك لذباب ! ؟ وقال محمد بن أسلم : كان الربيع بن خثيم إذا سجد كأنه ثوب ملقى تجىء العصافير فتقع على ظهره وهو لا يشعر . وقال عبد اللّه بن المبارك رحمة اللّه عليه : كانت امرأة من المتعبّدات تصلّى ، فلدغتها العقرب في أربعين موضعا من بدنها ، فما اكترثت لذلك ، فقيل لها : يا أمة اللّه ، هلا نحيت عنك ، فقالت : إني لأستحيى من ربى عزّ وجلّ أن أشغل قلبي بشئ سواه وأنا قائمة بين يديه . ووقع الحريق في بيت ثابت البناني وهو يصلى ، وقيل له في ذلك ، فقال : سبحان اللّه ، فما انفتل إلى أن طفيت النار . وعن ابن عون : كان مسلم بن يسار يصلى كأنه وتد ، لا يميل على قدم مرة ، ولا يتحرك له ثوب ، فقيل له في ذلك ، فقال : وما يدريكم أين قلبي ؟ وقال الجنيد : لا تكونن همتك من صلاتك إقامتها دون السرور بمن لا وسيلة إليه إلا به . وقال ابن عطاء : لا تكونن همتك من صلاتك إقامتها دون الهيبة والإجلال ، لمن عاينك فيها . وقال عصام : قلت لحاتم : يا أبا عبد الرحمن كيف تصلى ؟ قال : إذا حضر وقت الصلاة أقوم فأتوضأ وضوءين ، وضوءا ظاهرا ووضوءا باطنا فقال عصام : كيف هو ؟ قال : وضوء الظاهر يعلم ، وأما وضوء الباطن فالتوبة والندامة من الغل ، والغش ، والحسد ، والشك ، والكبر . قال عصام : إن وضوء الظاهر لا ينفع دون وضوء الباطن ، قال : ثم أقصد نحو المسجد ، فأذكر بيت اللّه الحرام نحو قبلتي ، وأذكر مقام إبراهيم بين صدري ، وأذكر الجنة عن يميني والنار عن شمالي ، فإن عملت كما هو أهله بعثني إلى الجنة ، فإن لم أعمل كذلك بعثني إلى النار ، وأذكر الصراط تحت قدمي ، فإن لم أستو عليه وقعت في النار ، وأذكر ملك الموت - عليه السلام - خلفي ، وأقول إن ركعت لا يمهلنى أن أسجد وإن سجدت لا يمهلنى أن أقوم ، ثم أدخل المسجد على الأمر وأقف وقوفا بالحق ، ثم أكثر ذكر عظمة اللّه تعالى وأقرأ قراءة بالتفكر والتدبر ، وأسجد سجودا بالتواضع والتضرع والتذلل ، وأجلس جلوسا بالحلم والسكينة والوقار ، وأتشهد بالصّدق والسّنّة والصبر وأسلم بالشّكر والسرور .