عبد الملك الخركوشي النيسابوري
208
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
فلم تطب نفسي ، ولم يذهب الوسواس ، فبكيت وقلت : يا رب العفو ، فسمعت هاتفا يقول : يا فلان ، العفو في العلم ، يعنى في استعمال العلم . وأقام أبو عمر الزجاجي النيسابوري بمكة سنين وهو مجاور بها ، وكان إذا أراد أن يقضى حاجته يخرج من الحرم بمقدار فرسخ . وحكى أنه ما تغوط في الحرم ثلاثين سنة وهو مجاور به ، وهو من مناقب أهل خراسان . وكان إبراهيم الخواص إذا دخل البادية لا يحمل معه إلا ركوة من الماء وربما كان لا يشرب منها إلا القليل ، وكان يحتفظ بذلك للوضوء ، ويؤثر وضوءه بالماء على الشرب عند العطش . وحكى أن جماعة منهم كانوا يمشون على حافات الأنهار ، ولا يفارقهم الماء ، في كوز أو ركوة ، وذلك أنه كان ربما يهيج بأحدهم البول ، فلا يتهيأ له الجلوس على شاطئ البحر ، وكشف العورة عند الناس ، فإذا كان معه وعاء فيه ماء عدل إلى موضع خال ، فكان أصون لنفسه ، وأستر لعورته . وكان يقال : إذا رأيت الصوفي قد فارق الكوز أو الركوة ، فاعلم أنه قد عزم على ترك الصلاة ، ويخشى عليه تركها . قال أبو سعد الواعظ رحمه اللّه : من آداب هذه الطائفة أن لا يفارقهم السّواك في جميع أحوالهم . وحكى أن الشبلي لما احتضر أشار إلى خادمه أن يجدّد وضوءه ، فنسى الخادم تخليل لحيته ، وكان قد أمسك على لسانه ، فقبض على يد الخادم وأدخلها في لحيته . وكان إبراهيم الخواص علة البطن ، وكان إذا قضى حاجته دخل الماء ، وغسل نفسه ، فدخل مرة الماء ليغسل نفسه ، فخرجت نفسه وهو في وسط الماء ، وكان ذلك في جامع الري . وتوضأ سفيان الثوري لصلاة واحدة سبعين مرة ، وكان مبطونا وكان كلما توضأ انتقض وضوئه . وكان عطاء السليمى إذا فرغ من وضوئه ارتعد وبكى بكاء شديدا ، فقيل له في ذلك ، فقال : إني أريد أن أقدم على رب عظيم ، إني أريد أن أقوم بين يدي اللّه عزّ وجلّ .