عبد الملك الخركوشي النيسابوري

196

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

له : أنت عبد ، قال : نعم ، قال : أين العمران ؟ فأشار إلى المقبرة ، فقال الرجل : إنما أردت العمران ، قال : هو المقبرة ، فغاظه ذلك ، فضرب رأسه بالسوط فشجه موضّحه ورده إلى البلد ، فاستقبله أصحابه ، فقالوا : ما هذا ؟ فأخبرهم الجندي ، فقالوا : هذا إبراهيم بن أدهم ، فنزل الجندي عن دابته ، فقبل يديه وجعل يعتذر إليه فقيل له : لم قلت : أنا عبد ؟ قال : إنه لم يسألني أنت عبد من ؟ بل قال لي : أنت عبد ؟ فقلت : نعم ، لأنى عبد اللّه ، فلما ضرب رأسي سألت اللّه له الجنة ، فقيل له : إنه ظلمك ، فكيف سألت اللّه تعالى له الجنة ؟ قال : علمت أنى أؤجر على هذا فلم أحب أن يكون نصيبي منه الخير ، ونصيبه منى الشر . وعن أم الدرداء قالت : قام أبو الدرداء ليلة يصلى ، فجعل يدعو ، ويقول : اللهم كما حسّنت خلقي فحسن خلقي . وقال شاه بن شجاع الكرماني : حسن الخلق كف الأذى ، واحتمال المؤن . ويقال : في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق . وعن بعضهم قال : استعمال الخلق أن يكون من الناس قريبا وفيما بينهم غريبا . وقال الواسطي : حسن الخلق إرضاء الخلق في السّراء والضّراء . ودعى أبو عثمان الحيري إلى دعوة ، وكان الداعي يريد تجربته ، فلما بلغ منزله قال : ليس لي وجه دخولك ، فرجع أبو عثمان ، فلما ذهب غير بعيد جاءه ثانيا ، فقال : ترجع على ما يوجب الوقت ، فلما بلغ الباب قال له مثل مقالته الأولى فرجع أبو عثمان ، ثم جاءه الثالثة والرابعة والخامسة مرارا كان يعامله بهذا ، وأبو عثمان يحضر وينصرف ، ولم يتغير ، فقال : إنما أردت اختبارك وأخذ يمدحه فقال أبو عثمان : لا تمدحنى بخصلة نجد مثلها في الكلاب ، الكلب إذا دعى أجاب ، وإذا زجر انزجر . وروى أن أبا عثمان اجتاز بسكة ، فطرحت عليه إجانة رماد قال : فنزل عن دابته وجعل ينفض ذلك عن ثيابه ، ولم يقل لهم شيئا ، فقيل له : ألا زبرته ، فقال : إن من استحق النار فصولح على الرماد لم يجز له أن يغضب . وروى أن علي بن موسى الرضا كان دخل الحمام ، وكان آدمي اللون ، وجرت عادته أن يخلّى له الحمام فأخلى له الحمام ، ومر الحمّامىّ في حاجة له وردّ باب الحمام فتقدم إنسان سوادي إلى باب الحمام ودخل ونزع ثيابه ودخل فرأى علي بن موسى ، فحسبه بعض خدم الحمّامىّ فقال له : قم فاحمل إلى الماء فقام علي بن موسى وامتثل جميع ما كان يأمره