عبد الملك الخركوشي النيسابوري

193

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

الأدب ، والنفس تجرى بطبعها في ميدان المخالفة ، والعبد يجتهد في ردها عن سوء المطالبة ، فمتى ما أطلق عنانها فهو شريكها في فسادها ، كما قال علىّ بن أبي طالب عليه السلام : من أعان نفسه على هوى نفسه ، فقد أشرك نفسه في قتل نفسه . وكان ابن عطاء إذا أراد أن يمد رجله يقول : ترك الأدب عند أهل الأدب من الأدب . وقال الجنيد : إذا صحت المحبة سقطت شروط الأدب . وقال أبو عثمان : إذا صحت المحبة أكدت على المحب ملازمة الأدب . وروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن اللّه تبارك وتعالى أدّبنى فأحسن أدبى » . وأنشدت : إذا صفت المحبة بين قوم * ودام ولاؤهم سمح الثناء - وسئل بعضهم عن أدب النفس ، فقال : أن تعرّفها الخير فتحثها عليه وتعرّها الشرّ فتخرجها عنه . وقال الجلاجلي البصري : التوحيد موجب يوجب الإيمان ، فمن لا إيمان له لا توحيد له . والإيمان موجب يوجب الشريعة ، فمن لا شريعة له لا إيمان له ، ولا توحيد له ، والشريعة موجبة ، توجب الأدب ، فمن لا أدب له لا شريعة له ، ولا إيمان ، ولا توحيد . وقال ابن المبارك : نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم . - وسئل ابن سيرين : أقرب إلى اللّه - عزّ وجلّ - وأزلف عنده للعبد ماذا ؟ فقال : المعرفة بربوبيته ، والعمل بطاعته ، والحمد على السراء ، والصبر على الضراء . - وسئل ابن عطاء ما الأدب في ذاته ؟ فقال : الوقوف مع المستحسنات ؟ فقيل : ما الوقوف مع المستحسنات فقال : أن تعامل اللّه - عزّ وجلّ - بالأدب سرا وإعلانا ، فإذا كنت كذلك كنت أديبا وإن كنت أعجميا . ثم أنشد ابن عطاء في هذا المعنى : إذا نطقت جاءت بكل ملاحة * وإن سكتت جاءت بكل مليح وقال الحسن البصرىّ : أنفع الآداب عاجلا وآجلا التفقّه في الدين ، والزهد في الدنيا ، والمعرفة بما للّه تعالى على العبد .