عبد الملك الخركوشي النيسابوري
174
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
الرضا بفعال اللّه تعالى ؟ قال : الافتقار . قيل : فما الافتقار ؟ قال : الالتجاء إلى اللّه تعالى بدوام التضرع ، تقول : يا رب سلم سلم إلى الممات . - وسئل الجنيد : ما علامة العبد ؟ قال : أن لا يشكو أحدا ، ولا يؤذى أحدا حتى يشكوه ، ويترك التقصير في الخدمة ، والتدبير في التقدير . وقال أبو بكر الوراق : علامة العبد أن يعامل اللّه تعالى بالصدق ، ويعامل الخلق بالرفق ، ويعامل النفس بالصبر . وقال رجل لإبراهيم بن أدهم : أنت عبد ؟ قال : نعم ، قال : لمن ؟ فلما أراد أن يقول غشى عليه فأفاق وهو يقول كما قال اللّه عزّ وجلّ : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ( 93 ) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ( 94 ) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً « 1 » . وقيل لبعضهم : أنت عبد ؟ قال : نعم ، إن رضى بي ربى عبدا . وقال ذو النون : العبودية خلع الربوبية . وعن أبي سعيد الخراز قال : لا تغتروا بصفاء العبودية ، فإن فيه نسيان الربوبية ، فمن شهد صنع الربوبية مع إقامة العبودية ، انقطع عن نفسه وسكن إلى ربه عز وجل . وقيل للجنيد : متى يعلم العبد أنه عبد ؟ قال : إذا كان حرا فيما دون اللّه سبحانه . وقال الشبلي : آفة الخلق من شيئين : الخروج من العبودية ، وتمنى الربوبية ، وإن كان كمال الربوبية نفاذ المشيئة وكمال العبودية ضرورة البشرية ، ثم قال : لو عرفت قدر اللّه - عزّ وجلّ - ما سألت غير اللّه تعالى . وقال : من طلبه بالعبودية لا يجده ، ومن طلبه بالربوبية يوشك أن يجده . وقال الشبلي : علامة العبودية الرضا بالقسمة ، وحفظ الحرمة ، ومراعاة الخدمة . - وسئل أيضا : عن العبودية ، فقال : إذا كان سؤاله إياه ورؤيته منه ، وإضافته إليه . فقيل له : هل يكون العبد حرا ؟ قال : إي والذي رفعها فبناها ، وأشار بيده نحو السماء ، إذا انسلخ من رداء الذل واستأنس بجبروت العز ، فصار بأخص الأسماء وأصفى النعوت . وأنشدت : إذا تحقّقت حقّ الحق كنت كمن * جادوا عليه فعتق بعد تعبيد ولست أرضى سواه وهو ملتمسى * وكيف أبغى سواه وهو مشهودى
--> ( 1 ) سورة مريم : 93 - 95 .