عبد الملك الخركوشي النيسابوري

168

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

ويقال : ركب أهل الصدق الصدق حتى بلغوا باب الملك ، ثم نزلوا بقلوبهم من الصدق وركبوا الفقر والفاقة ، عراة أذلة بين يديه ، فجعلهم اللّه تعالى من أهل ولايته . وقال الواسطي : علامة الصادق أن يكون مواصلا للإخوان ، وقلبه منفرد مع الرحمن . وعن الجنيد قال : الصادق يتلف في اليوم أربعين مرة ، والمرائي يثبت على حاله أربعين سنة . وقال أيضا : لو أقبل الصادق على اللّه سبحانه ألف ألف سنة ، ثم أعرض عنه لحظة ، لكان ما فاته من اللّه عزّ وجلّ أكثر مما ناله . وقال أبو بكر الوراق : احفظ الصدق فيما بينك وبين اللّه تعالى ، والرفق فيما بينك وبين خلق اللّه تعالى . وكان أبو العباس المؤدب قصد باب بيت فوجده مقفلا ، ولم يجد مفتاحه ، فقال لأصحابه : ليتكلم كل واحد منا بكلام لعله ينفتح ، فلم ينفتح بكلام واحد منهم ، فقال أبو العباس : بصدقى في كذا وكذا إلا فتحته لي ، فانفتح القفل من ساعته . - وسئل آخر عن الصدق ، فأدخل يده في كور حداد وتناول منه الحديد المحمى وأخرجه ، وقال : هذا هو الصدق . وقيل لذي النون : هل للعبد إلى صلاح أموره سبيل ؟ فقال : قد بقينا مذبذبين حيارى * نطلب الصدق ما إليه سبيل فدعاوى الهوى تخفّ علينا * وخلاف الهوى علينا ثقيل فأجابه أخوه ذو الكفل : قد بقينا مولهين حيارى * حسبنا ربّنا ونعم الوكيل فحبيب القلوب قصد منانا * وبذكر الحبيب يشفى العليل وقال ابن الجراح : إذا قال العبد : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وهو التوحيد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ثم يقول : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، انظر كيف تقول أنت صادق في قولك أم أنت كاذب ، أنت حسيب نفسك . قيل : وأوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام : « إني إذا أحببت عبدا ابتليته ببلايا لا تقوم بها الجبال ، لأنظر كيف صدقه فإن وجدته صابرا اتخذته وليا وحبيبا ، وإن وجدته جزوعا يشكوني إلى خلقي خذلته ولا أبالي » .