عبد الملك الخركوشي النيسابوري
153
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
التجريد ، فقال : جرّد أولا قلبك من الشهوة ، ونفسك من اللهو ، ولسانك من اللغو ، ثم اسلك أين شئت . وقال بعضهم : الشهوات زمام الشيطان ، فمن أخذ بزمامه صار دابته ما دامت نفسه باقية في الدنيا . وقال أبو سعيد المقبري : مفتاح السلامة كظم الغيظ ، ومفتاح الظفر ترك الشهوة . وقيل ليحيى بن معاذ : ما علامة الإصابة ؟ قال : مخالفة النفس ، قيل : ما علامة مخالفة النفس ؟ قال : ترك شهوتها . قيل : ما سبب الذنب ، قال : شهوة النفس . وقال أبو سليمان الدّارانى : من أحسن في ليله كفى في نهاره ، ومن أحسن في نهاره كفى في ليله ، ومن صدق في ترك شهوة كفى مؤونتها ، وكان اللّه تعالى أكرم من أن يعذب قلبا ترك شهوة من أجل نفسه . وقال الحسن : مكتوب في التوراة خمسة أحرف : إنّ الغنى في القناعة ، وإنّ السلامة في العزلة ، وإنّ الحريّة في رفض الشهوات ، وإنّ المحبّة في ترك الرغبة ، وإنّ التمتع في أيام طويلة في الصبر في أيام قليلة . وقال الحسن : أربع من كنّ فيه فقد عصمه اللّه تعالى من الشيطان ، وحرمه على النار ، من ملك نفسه عند الرغبة ، والرهبة ، والحدّة ، والشّهوة . وقالت امرأة العزيز ليوسف عليه السّلام : إنّ الصّبر والتّقى صيّر العبيد ملوكا ، وإنّ الحرص والشّهوة صيّر الملوك عبيدا . وقال أبو الأشهب : أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام : « يا داود ، حذّر وأنذر أصحابك أكل الشهوات ، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة » . وقال وهيب بن الورد : خلق ابن آدم والخبز معه ، فما زاد على الخبز فهو شهوة ، فحدث به أبو سليمان ، فقال : صدق الملح مع الخبز شهوة . ويقال : ما تخلى قلب عن طلب الشهوات ؛ إلا استنار بأنوار المعرفة . وقال أيضا : ما تخلى قلب عن ظلم الشهوات ؛ إلا استنار بأنوار المعرفة . وعن الشبلي أنه قال : كنت أسير في البادية ، فإذا أنا برجل جالس في الهواء ، فقلت له : بحق الذي أعلاك على ما أرى بم وصلت إلى هذا ؟ فقال : لم حلفتنى ، أنا رجل انتهيت عن الهوى ، فأجلسني في الهواء كما ترى .