عبد الملك الخركوشي النيسابوري
143
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وقيل : ليس الفقر تجريد الظاهر ، إنما هو تجريد السر ، وهو أن يكون منزوع الإرادة والرغبة والشهوة . وقال سهل بن عبد اللّه : لما خلق اللّه تعالى الخلق ، حكم لنفسه بالغنى وحكم لخلقه بالفقر ، فمن ادّعى الغنى حجب عن اللّه ، ومن أظهر فقره إليه وصل فقره بغناه . وعن مضاء قال : يا معشر الفقراء أعطوا اللّه الرضا من قلوبكم ، يثبتكم اللّه تعالى على فقركم . وقال يحيى بن معاذ الرازي : لا يوزن في القيامة فقرك ولا غناك ، وإنما يوزن صبرك على الفقر ، وشكرك على الغنى ، فتعالوا حتى نصبر ونشكر واللّه المستعان . وقال الجنيد : الفقر بحر البلاء ، وبلاؤه كله علم . وقال بشر بن الحارث : أفضل المقامات اعتقاد الصبر على الفقر إلى القبر . وقال الشبلي : إنك إن افتقرت إلى دنياك أفقرك إلى مرادك . وقال يحيى بن معاذ : لا يكون الرجل حكيما حتى تستجمع فيه ثلاث خصال : يلحظ الأغنياء بعين النصيحة ، لا بعين الحسد . ويلحظ النّساء بعين الشّفقة لا بعين الشّهوة ، ويلحظ الفقراء بعين التواضع لا بعين التّكبر . وذكر عند يحيى بن معاذ الفقر والغنى ، فقال : الفضل في التّقى ، لا في الفقر ولا في الغنى . وقال بعضهم : كمال الفقر في ثلاث ؛ في الغربة ، والصّحبة ، والفّطنة . أما الغربة : فتنكسر فيها الشهوات . وأما الصحبة : فتحسن خلقه . وأما الفطنة : فيميز ما يكون له مما يكون عليه . - وسئل النّورى عن الفقير الصادق ، فقال : هو الذي لا يتهم اللّه - عزّ وجلّ - في الأسباب ، ويسكن إليه على كلّ حال . وجرى بين الجنيد وبين أبى العباس بن عطاء كلام في ذكر الخبر المروى « أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم » ، فقال ابن عطاء : ذاك متعة العتاب ، فقال الجنيد : إن كانت للأغنياء متعة العتاب ، فللفقراء متعة الاعتذار ، يقول لهم ربهم عزّ وجلّ : « إني لم أزو عنكم الدنيا إهانة لكم » .