أبي طالب المكي
90
علم القلوب
فأقروا بذلك ، [ وذلك ] قوله : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [ آل عمران : 81 ] ، ثم استخرج من ظهر كل نبي ذريته ، وأشهد الأنبياء على ذرياتهم ، وذلك قوله : وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ [ الأعراف : 172 ] ، يعنى ذرياتهم . وقال الحلاج : التوحيد هو أن تقول : لا إله إلا اللّه ، بفناء أوصافك ، وبقاء أوصاف الحق « 1 » . وقال سهل : الذر ثلاث ، أول وثان وثالث ، فالأول محمد الحبيب صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأن اللّه تعالى لما أراد أن يخلق محمدا أظهر من نوره نورا وبثه ، فدار في المملكة كلها ، فلما بلغ العظمة سجد ، فخلق اللّه من سجدته عمودا من نور كثيف كالزجاجة ، غلظها كالسماوات السبع ، يرى باطنها من ظاهرها « 2 » ، فيه عبد محمد رب العالمين ألف ألف عام بلا جسم ، ولا رسم ، بل بطابع الإيمان ومكاشفة الغيب قبل بدو الخلق الذي هو آدم بألف ألف عام ، [ و ] خلق آدم من نور محمد ، وجسد محمد من آدم ، وطين آدم من العمود الذي عبد فيه محمد ربه . والذر الثاني آدم ، والثالث ذريته ، فآدم خلقه من نور محمد ، وخلق المرادين من نور آدم ، وخلق المريدين من نور المرادين . وقال الجنيد : إن اللّه جل ثناؤه لما أظهر الذر ، أوقفهم بوصف السكون ، ثم خاطبهم بمطالبة الإقرار له بالربوبية ، فتحركوا بالإقرار ، وأجابوا خطاب الجبار ، وكان [ ت ] المطالبة عامة « 3 » ، والسماع عاما للحجة ، والجواب عاما ، ومعاني الجواب خاصة « 4 » ، فمنهم من أسرع في الجواب ، ومنهم من تأخر عن الجواب ، ومنهم من قال : بلى ، مرة ، ومنهم من قال مرتين ، وأقل وأكثر ، ومنهم من لم ينس ذلك في الأصلاب والأرحام ، وفي الطفولية والكبر ، إلى أن يرجع إلى العزيز
--> ( 1 ) ليس في هذا القول ما يوهم الحلول ، فالمراد أن يلاحظ ذاكر اللّه أن ذكره للّه إنما هو بتلقين اللّه تعالى للذاكر ، كما كان في يوم الذر ، وملاحظة ذلك دائما ، ونسيان أن الذكر إنما كان نتيجة البحث والدليل والبرهان بفعل العبد نفسه . ( 2 ) في الأصل : ظاهرها من باطنها . ( 3 ) في الأصل : عاما . ( 4 ) في الأصل : خاصة .