أبي طالب المكي
80
علم القلوب
يفرق بين لمة الملك وبين لمة العدو ، وبين خاطر الروح ووسوسة النفس ، وبين علم اليقين وقوادح العقل ، وهذا مذهب مالك بن دينار ، وفرق [ السبخى ] وعبد الواحد بن زيد . وقال بعض السلف : إنما معناه طلب علم ما لم يسع جهله من علم التوحيد ، وأصول الأمر والنهى ، والفرق بين الحلال والحرام ، إذ لا غاية لسائر العلوم . وقال إبراهيم بن أدهم ، وابن أسباط ، ووهيب بن الورد : معناه طلب علم الحلال فريضة ، إذ قد أمر اللّه به . وقال بعض فقهاء الكوفة : معناه طلب علم البيع والشراء ، والنكاح والطلاق ، إذا أراد الدخول فيه ، وافترض عليه مع دخوله في ذلك طلب علمه ؛ لقول عمر بن الخطاب ، رضى اللّه عنه : لا يتجر في سوقنا هذه إلا من تفقه ، ولا آكل الربا شاء أم أبى ، وهذا مذهب الثوري ، وأبي حنيفة وأصحابهما . وقال بعض المتقدمين : منهم ابن المبارك من علماء خرسان ، معنى ذلك أن يكون الرجل في منزله ، فيريد أن يعمل شيئا من أمر الدنيا ، أو تخطر على قلبه مسألة للّه سبحانه وتعالى فيها حكم وتعبد ، وعلى العبد في ذلك اعتقاد وعمل ، فلا يسعه أن يسكت على ذلك ، ولا يجوز أن يعمل فيه برأيه ، ولا أن يحكم بهواه ، فعليه أن يلبس نعله ويخرج ، فيسأل عن أعلم أهل بلده ، ثم يجلس بين يديه فيسأله . وقال أبو ثور ، ودواد بن علي ، والحارث بن أسد المحاسبي « 1 » ، ومن تابعهم من المتكلمين : إنما أراد طلب علم الشبهات والمشكلات إذا سمعها العبد وابتلى بها ، وإن لم يكن يسمعها ترك الطلب إذا كان غافلا عنها على أصل التسليم ، فإذا وقع في سمعه شئ من ذلك ، ووقر في قلبه ، فلم يكن عنده تفصيل ذلك وقطعه ، لم يحل له أن يسكت عليه ؛ لئلا يعتقد بدعة ، فيخرج بذلك على السنة ومذهب الجماعة وهو لا يعلم . قال أبو طالب : والذي عندي في معنى هذا الخبر ، واللّه أعلم ، أن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « طلب العلم فريضة » ، يعنى علم هذه الفرائض الخمس الذي بنى الإسلام عليها ،
--> ( 1 ) بل إن رأى المحاسبي ليس كذلك ، بل رأيه أن المراد بالحديث علم الفرائض التي بنى عليها الإسلام ، وهو رأى المكي التالي لهذا الرأي . راجع النصائح الدينية للمحاسبى ، مخطوط بدار الكتب .