أبي طالب المكي
78
علم القلوب
باب في معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « طلب العلم فريضة على كل مسلم » قوله جل ثناؤه : وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [ الضحى : 10 ] ، قال بعضهم : ليس هو المسكين الذي يسألك الكسرة والقطعة ، إنما هو طالب العلم الذي يسألك عن العلم فلا تزجره ، ولكن قربه وعلمه . قال جعفر الخلدى : هو السائل عن حلقة الهداية ، فإذا سألك عن ذلك ، فلا تقنطه من رحمتي ، فإني قادر على أن ألبسه لباس الهداية ، والسائل إذا سألك عنى ، فدله علىّ باللطف دلالة ، فإني قريب مجيب . ومثل هذا حكى سهل بن عبد اللّه في معنى قوله تعالى : فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [ المعارج : 24 ، 25 ] ، قال : هو طالب العلم يسألك الإرشاد إلى اللّه ، فأوف له حقه ، والمحروم من لا لسان له « 1 » ، ولا يهتدى إلى سؤال العلم ، فيبتدأون بالدلالة على اللّه ، والرغبة في اللّه إيجابا . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « طلب العلم فريضة على كل مسلم » . قال أبو طالب المكي : اختلف أهل العلم من علماء الظاهر والباطن في معنى هذا الخبر ، فقال أبو محمد سهل بن عبد اللّه : أراد بذلك علم الحال ، قيل له : ما علم الحال ؟ قال : من الباطن الإخلاص ، ومن الظاهر الاقتداء « 2 » ، فمن لم يكن لباطنه كمال ظاهره ، فهو متعب البدن ، فقلت : فما تفسير ذلك ؟ قال : أن تعلم أن اللّه قائم عليك في سرك ، وعلانيتك ، وحركتك ، وسكوتك ، لا تغيب عن اللّه طرفة عين ،
--> ( 1 ) أي من يمنعه الجهل عن استعمال لسانه في سؤال العلم ، فكأنه لا لسان له . ( 2 ) الحال ينتج عن العمل في إخلاص ، وهو مشهد روحاني من بواطن الأعمال ، وقد تتلون الأحوال بتلون الأعمال في بداية أحوال العرفان ، فيسمى صاحب هذه الحالة : » صاحب تلوين » ، وقد يتمكن العارف ، فتتبلور تلك المشاهد في مشهد واحد جامع هو قمة المشاهدات كلها ، ويسمى صاحب هذه الحالة : » صاحب تمكين » ، ولما كانت أحدية المشاهد غير قابلة للتفرقة ، فإن مشهد كل حال على حدة يكمن في قلب العارف ، فيتلون قلبه بتلون تلك المشاهد ، ولكن روحه وظاهره في مقام التمكين ، ولذلك سمى صاحب هذه الحالة : » صاحب تمكين في تلوين » .