أبي طالب المكي
72
علم القلوب
والرجل الثالث : صوفي شاطح غالط بأنه يجاوز بك الكتاب والسنة ، يخالف بقوله الأمة والأئمة ، فيجيبك بالظن ، والوسواس ، والتمويه ، والالتباس ، ويمحو الكون والمكان ، ويسقط العلم والأحكام ، ويذهب الأسماء والرسوم ، وهؤلاء تائهون في مفازة التيه ، غريقون في أبحر التوحيد ، لم يجعلوا أئمة للمتقين ، وهذا ساقط القول « 1 » . والرجل الرابع : مفت موسوم بالفقه عند أصحابه عالم عند نفسه ، يقول لك هذا ، ومن أحكام الآخرة ، ومن علم الغيب ، لا تتكلم فيه لأنا لم ننطقه ، وهو في أكثر مناظراته يتكلم فيما لا يكلف [ به ] ، إذ لا يعلم المسكين إنه كلف علم الإيمان ، وحقيقة التوحيد ، ومعرفة إخلاص المعاملة ، أثر حوائج الناس وأحوالهم على حاجته وحالته ، واشتغل بإصلاح ألسنتهم عن صلاح ما فتى بأيامهم [ من ] أيامه ، وأذهب عمره في شهواتهم ، فورد القيامة مفلسا ، وعندما يراد من أنصبة المقربين مبلسا . والرجل الخامس : صاحب حديث وآثار ، وناقل رواية الأخبار ، يقول لك إذا سألته ، قال : أعتقد التسليم وأمر لك باستماع الحديث كما جاء بلا تفتيش ، وهذا أحسنهم طريقة وأشبههم بسلف العامة خلقة ، ليس عنده شهادة يقين ، ولا معرفة بحقيقة أحوال العارفين ، فإذا أدركت هذا العصر فأقطع عمرك بسلم سلم ، لعلك تنجو من المخاطرة والندم . وقال أبو سعيد الخراز : العبارة يعرفها العلماء « 2 » ، والإشارة يعرفها الحكماء ، والرمز يعرفه الأولياء ، واللطائف يقع عليها السادة من الشيوخ . وقال أبو طالب : فرض على العبد إذا أراد طلب العلم أن يعرف العلم ما هو ، والعالم من هو ، حتى يطلب العلم عند العالم ، وأن كثيرا من زخرف الكلام يظنه العموم علوما كثيرة ، [ وكثير ] من نقلة العلم يحسبهم العامة علماء . وقد حكى عن بعض السلف قال : دخلت [ المسجد ] ذات يوم ، فإذا بحلقتين ،
--> ( 1 ) ومنهم المجاذيب أو مدعوا الجذب ، ومن نطقوا بعبارات مبهمة للعامة من الناس . ( 2 ) الإشارة ما يؤخذ من ظاهر اللفظ وباطن المعنى ، لا تأويل الباطنية الذين يسقطون اللفظ والمعنى معا . راجع منشورات إسماعيلية ، طبع دمشق ، نشر د / عادل العوا ، وعقائد الباطنية لليماني ، نشر عزت العطار ، القاهرة .