أبي طالب المكي
69
علم القلوب
جواب ما يسألون « 1 » عنه . وقال مالك بن دينار : إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم . ومثله ما ذكر في غرائب التفسير من معنى قوله تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ [ عبس : 24 ] ، إلى عمله عمن يأخذه . وقال الثوري : احذر في زمانك ثلاثا : عالم السلطان ، وقارىء الأسواق ، وعابد السطوح . وقال حاتم الأصم : واللّه ما أنصفت بين دينك ودنياك ، إذا اقتصدت أو احتجمت ، طلبت أبصر الناس ، وإذا اعتللت ببدنك ، طلبت من الأطباء أحذق الناس ، وإذا اشتريت أو بعت أو أودعت ، طلبت أعدل الناس وآمنهم ، وإذا أردت شهوة أو فاكهة ، طلبت أطيب ذلك واسترخصت ، ولم ترض بكل واحد من الناس ، وإذا أردت صلاة في جماعة ، أو عالما للمجالسة والفتيا ، صليت خلف الفاجر والبر ، وجلست إلى الصالح والطالح ، وهذا من [ عدم ] مبالاتك « 2 » بدينك ، ولو عز عليك دينك ، لاحتطت له بجهدك ، أما سمعت قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « الإمام وفد القوم ، فإن سركم أن تتقبل صلاتكم ، [ ف ] ليؤمكم أتقاكم » ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « تعوذا باللّه من فتنة العالم الفاجر ، والعابد الجاهل ، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون » ، ألا تراه صلى اللّه عليه وسلم كيف سماه عالما وعابدا ، ثم بعد التسمية ، لم يعرهما من الجهل والفجور ، وأمر بالتعوذ منهما ، كما أمر اللّه بالتعوذ من الشيطان الرجيم ، ثم ذكر أن بفتنتهما لا يفتتن إلا كل مفتون ، ولا يغتر بزخرف حالهما إلا كل مغرور ، ولا يهلك على اللّه إلا هالك ، فهل يهلك إلا القوم الفاسقون . وقال الخضر لموسى : يا طالب العلم ، اطلب العلم لتعمل به ، ولا تطلبه
--> ( 1 ) يقصد علم رواية السنة ؛ لأن الزهاد لم يكونوا من أهل هذا الشأن فعلا ، ولذلك لم يأخذ علماء الرجال بروايتهم في الحديث ؛ لأنهم يروون الكثير من باب فضائل الأعمال الكبر ، وإن لم تصح روايته ، ومالك لا يأخذ إلا عن الضابط الحافظ ، ولم يكونوا من أهل الضبط ، وإن كان لبعضهم رأى خاص في بعض الأحاديث الضعيفة ، حيث تقوى عندهم من باب الكشف ، ولكن محققيهم يقولون : إن الكشف ليس بحجة في التشريع ، ويجوز أن يكون المراد الذين لا حفظ لهم من العلم ، وإن كان لهم حظ كبير من العبادة الخالصة . ( 2 ) في الأصل : مثالاتك .