أبي طالب المكي

54

علم القلوب

قال : ماذا ؟ تأمروني أن أضيع الدواء ؟ قالوا : إنا نرجو بركة الذكر ، قال : فمن المتكلم من بينكم ؟ قالوا : أنت ، قال : فمن المستمع ؟ قالوا : نحن ، قال : فمن العامل ؟ فسكت القوم ونكسوا رؤوسهم ، وقام حاتم ليمضى ، فقالوا : إلى أين ؟ قال : حضر المتكلم والمستمع والعامل غائب ، فإذا تنتظره ، قالوا : لا تقنطنا ، قال : واللّه لا ينفع ضرب المطرقة في الحديد البارد ، قوموا وانحتوا أنفسكم بالمجاهدة وتعالوا . وقال ذو النون المصري : بينا أسير في بعض أسفارى ، إذ وقعت على حجر عظيم مكتوب عليه : قلبنى تعتبر ، فقلبته « 1 » ، فإذا عليه مكتوب : كيف تطلب عالم ما لم تعلم ، وأنت بما تعلم لا تعمل ، فقلت لنفسي : خذها حكمة ، قال : فتكلم النوري يوما بلسان المعرفة عن غلبه الوجد بمشاهدة التوحيد : فدقق وحقق ، فقال قائل : لو كررت لنا النكتة « 2 » ، فقال : إن جددت لنا الحالة « 3 » . وسأل رجل عبد اللّه بن المبارك عن مسألة ، فأجاب فقال : أعد علىّ ، فقال : أنا في ندامة مما قد جرى « 4 » . وقال الكناني : العلم باللّه أفضل من العلم للّه ، ومن العبادة للّه . وقال أبو عبد اللّه الدينوري : أرفع العلوم في التصوف علم الأسماء والصفات « 5 » ، وتمييز الحلال من الاختلاف ، وإخلاص أعمال الظاهر ، وتصحيح أعمال الباطن . وقد جاء في الأثر أن اللّه لا يعذر على الجهل ، ولا يحل للجاهل أن يسكت على جهله ، ولا يحل للعالم أن يسكت عن عمله « 6 » ، وقد أمر الجاهل بسؤال العالم ، وأمر العالم بحسن الرد على الجاهل ، فقال للجاهل : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ النحل : 43 ] ، وقال للعالم : وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [ الضحى : 10 ] ، يعنى إذا جاءك متعلما فلا تزجره .

--> ( 1 ) في الأصل : فأقبلته . ( 2 ) يعنى الدقيقة من مسائل المعرفة . ( 3 ) وذلك لأن العارف لا يتكلم إلا عن حال غلبة ، فإذا كان في حال التمكن أثر الصمت . ( 4 ) لأنه تكلم في مسائل لا يجوز سماعها إلا لأهلها . ( 5 ) أي العلم بسريان عمل الأسماء والصفات في الأكوان ظاهرا وباطنا . ( 6 ) أي يكتمه عن الجميع في الحلال والأركان ، أو يكتمه عن الخاصة في السلوك والمعارف إن واتاه الحال .