أبي طالب المكي
52
علم القلوب
اليقين ، وَلِباسُ التَّقْوى [ الأعراف : 26 ] ، قيل : الحياء . وقال عبد الواحد بن زيد : سألت الحسن البصري ، رضى اللّه عنه ، عن علم الباطن ما هو ؟ قال : سألت حذيفة عن علم الباطن ، فقال : سألت ميكائيل عن علم الباطن ، فقال : سألت القلم عن علم الباطن ، فقال : سألت الرب جل ثناؤه عن علم الباطن ، فقال : علم الباطن هو سر من سرى أخفيته عن خلقي ، وأودعته عند خاصة عبادي ، وهو نتاج معرفتي وموارثة خدمتي . قال أبو طالب المكي : الظاهر والباطن هما علمان أصلان لا يستغنى أحدهما عن صاحبه ، بمنزلة الإسلام والإيمان ، مرتبط كل واحد منهما بالآخر ، كالجسم والقلب لا ينفك أحدهما من صاحبه « 1 » . وقال الجنيد ، رحمه اللّه : لو أن العلم الذي أتكلم به من عندي لفنى وانقطع ، ولكنه من حق بدأ وإلى حق يعود . وقال أبو طالب المكي : روينا في بعض الأخبار أن في بعض الكتب المنزلة : يا بني إسرائيل ، لا تقولوا : العلم في السماء من ينزل به ؟ ولا في تخوم الأرض من يصعد به ؟ ولا من وراء البحار من يعبر [ ل ] يأتي به ، العلم مجعول في قلوبكم ، تأدبوا بين يدي بآداب الروحانيين ، وتخلقوا إلى بأخلاق الصدقين ، أظهر العلم في
--> ( 1 ) هذا هو مذهب الصوفية في علم الباطن وعلم الظاهر ، أو الشريعة . والحقيقة فقد أجمعوا على أن كل حقيقة لا تؤيدها الشريعة فهي باطلة ، ولا يقتدى بصاحبها ولو ظهرت عليه الخوارق ، ولو طار في السماء ، أو مشى على الماء حسب تعبيرهم ، فعلم الباطن هو فقه أعماق علم الظاهر الذي هو الشريعة ، فالحج مثلا من قام به متمما شعائره كلها ، فقد أتى بعلم الظاهر ، ومن فقه الإحرام ، التجرد للّه إلا مما يحفظ شريعته من ستر العورة ، ومن فقه الطواف حول عرش الرحمن والتشبه بالملائكة في الطاعة ، ومن فقه من رمى الجمار للتهيؤ للذب عن محارم اللّه ورجم نفسه الأمارة ، من فقه ذلك وغيره من الأسرار ، فقد أوتى حظا من علم الباطن الذي لم تنفك عنه الشريعة في أي مرحلة من مراحله ، وبعض الملاحدة فصلوا بين علم الباطن وعلم الشريعة ، فقالوا في خرق الخضر السفينة : هو تجريد اللّه للّه بتجريده عن كل ما يشغل فكره في الحياة حتى من عرضه وعرض أهله ، والقارئ يدرك مدى الشناعة في نفس التأويل ، حينما انفصلت الحقيقة عن الشريعة .