أبي طالب المكي
41
علم القلوب
اللّه وكذلك الحكيم أدنى حالاته هو وقت رفع اللّه يده تعالى عن فيه ، فينطق بالحكمة ، فتحصل له السناء والرفعة ، فإذا كانت هذه الحالة أحقر حالاته ، فما ظنك بأرفع حالاته إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ ق : 37 ] . وقيل : كل مدينة ليس فيها عالم فأهلها سكارى ، وكل مدينة ليس فيها فقيه فأهلها مرضى ، وكل مدينة ليس فيها حكيم فأهلها موتى . وقال عيسى بن مريم ، عليه السلام : يا معشر الحواريين ، بحق أقول لكم ، لا تمنعوا الحكمة من أهلها فتظلموهم ، ولا تنطقوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموا الحكمة « 1 » ، ومن ظلم الحكمة فاللّه خصمه ، ومن كان اللّه خصمه خصمه يوم القيامة . وقال بعضهم : إن اللّه عز وجل غرس في قلب كل عبد مؤمن أشجارا ، شجرة الحكمة تسقى بماء الجوع ، وشجرة الإخلاص تسقى بماء الزهد ، وشجرة العلم تسقى بماء العمل ، وشجرة الغفلة تسقى بماء الجهل ، وشجرة الحكم تسقى بماء المحاسبة ، وشجرة الورع تسقى بماء المراقبة ، وشجرة المعرفة تسقى بماء الفكرة ، وشجرة التوبة تسقى بماء الندامة ، وشجرة المحبة تسقى بماء الإنفاق والموافقة والإيثار ، ولكل شجرة من الأشجار نوع من الثمار لا يمسه إلا المطهرون ، وهذه الأشجار كلها مغروسة في أرض الإيمان ، وكل شجرة لا تثمر فالعيب في الأرض لا في الشجرة ، إذا تفكر العبد فيه فنظر ، وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ العنكبوت : 43 ] ، وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ [ لقمان : 32 ] . وقال الكتاني ، رحمه اللّه : كنت في بدايتى أرى غليان الحكمة في صدري ، لا أمنعها عن المستحق ولا غير المستحق ، فرأيت ليلة من الليالي النبي صلى اللّه عليه وسلم في منامي ، فقال لي : إلى متى تستخف بالحكمة ؟ إن من استخف بالحكمة فقد استخف باللّه ، ومن استخف باللّه فما أسوأ حاله يوم القيامة . وقال عيسى ، عليه السلام : يا معشر الحواريين ، بحق أقول لكم : لا تنثروا اللؤلؤ بين يدي الخنازير ، ولا تتكلموا بالحكمة عند من لا يعرفها . قال : الحكمة خير من اللؤلؤ ومن لا يريدها أشر من الخنزير .
--> ( 1 ) نسبة الخبر إلى المسيح مشكوك فيها ، وقد رويت عن كثير من الصوفية ، وأعجب من ذلك أمر المسيح لتلاميذه بقراءة القرآن في خبر سابق .