أبي طالب المكي
38
علم القلوب
وقال بعض الحكماء : إذا زهد العبد في الدنيا ، وكل اللّه بقلبه ملكا حكيم يغرس [ الحكمة ] في قلبه ، كما يغرس أحدكم طرائف « 1 » الأشجار في بستانه . وقال يحيى بن معاذ : مثل الحكيم مع قلبه ، مثل البستاني مع بستانه ، في قلب العارف عشرة بساتين : بستان التوحيد ، وبستان اليقين ، وبستان المعرفة ، وبستان المحبة ، وبستان العلم ، وبستان الحلم ، وبستان السبيل « 2 » والسنة ، وبستان التواضع والخشوع ، وبستان الحلال ، وبستان السخاوة والبذل ، فيجب أن يدخل كل صباح تلك البساتين ويخرج ، ويقلع ما لا يصلح فيها . فيدخل بستان التوحيد ، فإذا رأى فيه « 3 » شكا ، أو شركا ، ونفاقا ، ورياء ، قلع ذلك ورمى به ، ثم يدخل بستان اليقين ، فإذا رأى فيه حرصا ، وأملا ، وشينا ، وحقدا ، ورغبة ، قلع ذلك ورمى به ، ثم يدخل بستان المعرفة ، فإذا رأى فيه تشبيها ، وتمثيلا ، [ أو ] تعطلا ، قلع ذلك ورمى به ، ثم يدخل بستان المحبة ، فإذا رأى فيه اشتغالا بالأغيار ، أو حلاوة الخلق والديار ، قلع ذلك فرمى . ثم يدخل بستان العلم ، فإذا رأى فيه جهلا وحمقا ، قلع ذلك فرمى به ، ثم يدخل بستان الحلم ، فإذا رأى فيه غضبا ، أو حمية ، أو تعززا ، أو خيانة ، أو عجز ، قلع ذلك فرمى به ، ثم يدخل بستان السنة ، فإذا رأى فيه بدعة ، أو محدثة ، أو زيغا ، أو هوى ، قلع ذلك ورمى به ، ثم يدخل بستان الحلال ، فإذا رأى فيه حراما ، أو شبه ، قلع ذلك ورمى به ، ثم يدخل بستان البذل والسخاء ، فإذا رأى فيه بخلا ، أو منعا ، أو طمعا ، قلع ذلك ورمى به . وقيل : رأس مال الحكيم قلبه ، لا تغنى حكمته عن كثرة الإنفاق ، ورأس مال المؤمن دينه ، يحفظه عن الشقاق والنفاق ، ورأس مال المنافق بطنه ، يجمع فيها ما أمكن وأطاق ، ورأس مال العاقل قلبه كيسه يحكمه بالشد والوثاق . وقيل : الحكمة ضالة المؤمن ، واللقمة ضالة المنافق . وقرأت في أخبار بني إسرائيل ، قال : جمع رجل منهم ثمانين تابوتا من علم ، كل
--> ( 1 ) أي نوادر الأشجار . ( 2 ) أي بستان الطريق إلى اللّه . ( 3 ) في الأصل : فيها ، في الفقرة كلها .