أبي طالب المكي
34
علم القلوب
والحزن عند المشتاقين ، والبكاء عند المحزونين ، والذل عند المحبين ، والفناء عند العارفين ، والإشارة عند الواجدين . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « ما من شئ الواحد منه خير من ألف سنة مثله ، إلا الإنسان » . قال أبو طالب المكي : لعمري قلب حكيم خير من ألف قلب عليم ، وقلب مؤمن خير من ألف قلب مسلم ، وقلب موقن خير من ألف قلب مؤمن . وقال الحسين بن منصور الحلاج : الحكمة سهام رب العالمين ، وقلوب المريدين أهدافها ، وألسن الحكماء قسيها ، والرامي الحي القيوم ، والخطأ معدوم . وقال النوري : لست أعظم أحدا كتعظيمى رجلا يكون معه كلمة من الحكمة . قال بعضهم : الحكمة سهام اللّه الثاقبة « 1 » ، وألسن الحكماء القسي المصيبة ، وقلوبهم الجعاب « 2 » المملوءة ، وسمع التائبين الأغراض الواسعة ، وقلوبهم الأسنة « 3 » ، والرقاع اللامعة ، والرامي اللّه بوصف القدرة النافذة ، فلم يكن اللّه ليخطىء إذا رمى . وقال بعضهم : نور القلب من الحكمة ، وظلماته من اللقمة « 4 » ، وعمارته من كثرة الفكرة ، وخرابه من طول الغفلة والقسوة . وقال بعض السلف : خير لقمان بين الحكمة والنبوة ، فاختار الحكمة ، وكان عبدا نوبيا ، غليظ الشفتين ، أسود الجسد ، أبيض القلب ، اشتراه سيده بثلاثين دينارا ، وكان له زوجة وأولاد كفار ، وكان فقير جدا ، فمن بركات الحكمة : أعتقه سيده ، وصار حرا ، وصار السيد بنفسه يخدمه ، وأقبل على أهله وولده ، فلم يزل يعظهم ، حتى أسلموا عن آخرهم ، وكثر اللّه ماله ، فجعله من آحاد « 5 » أغنياء زمانه ، وهذا كله من شرف الحكماء . وقيل : خير سليمان ، عليه السلام ، بين الملك والعلم والعقل ، فاختار العلم ،
--> ( 1 ) السهام الثاقبة : التي تصيب هدفها . ( 2 ) الجعاب : جمع جعبة ، وهي وعاء توضع فيه السهام . ( 3 ) في الأصل : الآنسة . ( 4 ) المراد : اللقمة الحرام ، فليس شئ أضر على سالك طريق اللّه من أكل الحرام . ( 5 ) في الأصل : من أحد .