أبي طالب المكي

21

علم القلوب

اشتريت بطة وجعلتها في التنور ، ووضعت تحتها شيئا ، وخرجت إلى جعفر الخلدى ، فلما أردت أن أخرج من عنده قال لي : أقم عندنا الليلة ، فأبيت وخرجت ، فلما رجعت إلى البيت ، إذا كلب قد دخل البيت وحمل البطة ، فقام رجل وعثر به وصبه « 1 » ، فبقيت لم آكل من ذلك لقمة ، فلما كان من الغد دخلت على جعفر الخلدى ، فقال لي : من خالف المشايخ سلط عليه الكلاب ، وكوشف بالقبائح . فهذا كما قال الواحد العارف : ينقب الخلق لا تخطى فراسته * كأنه في قلوب الخلق جاسوس قال : والفراسة لا تعطى إلا لأهل الصدق والسياسة ، وأرباب الورع والحراسة . كما حكى عن الأحيمصى ذي النون بن إبراهيم المصري ، رحمة اللّه عليه ، أنه قال : حرم اللّه ثلاثا على ثلاث : الزيادة في الدين ، والهام في القلب ، والفراسة في الخلق ، على كل بخيل بدنياه ، سخى بدينه ، سىء الخلق مع ربه ، فقال رجل ممن حضر : بخيل بالدنيا عرفناه ، سخى بالدين علمناه ، صف لنا سىء الخلق مع اللّه ، قال : نعم ، يقضى اللّه قضاء ، وينفذ علما ، ويختار لغيره أمرا ، فنرى صاحب سوء « 2 » الخلق مع اللّه تعالى مضطرب القلب في ذلك ، غير راجع إليه ، ولا راض به ، دائما يشكوه إلى خلقه ، فما ظنك به ؟ . وقيل : الحكمة العقل ، وكذلك حكى في التفسير عن ابن عباس في معنى قوله : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [ مريم : 12 ] « 3 » ، يعنى العقل ، فمن عقله رده على الصبيان حين قالوا له : تعالى نلعب ، فقال : ما للعب خلقنا ، وبمثله جاء في تفسير قوله جل وعلا : وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ [ لقمان : 12 ] ، قيل العقل . قال وهب بن منبه : يقاس عقل لقمان يوم القيامة ، بعقول مائة ألف سنة من الصديقين ، والشهداء ، والصالحين ، فيكون عقل لقمان أفضل من عقولهم أجمعين ، قيل له : من أعقل الناس ؟ قال : محسن يخاف اللّه ، قيل : فمن أحمق الناس ؟ قال : مسئ يأمن من مكر اللّه .

--> ( 1 ) كذل بالأصل . ( 2 ) في الأصل : سىء . ( 3 ) المراد بالآية : يحيى بن زكريا ، ويعرف في كتب العهد القديم والجديد بيوحنا المعمدان .